Wednesday, 21 December 2011


ليومٍ ونصف لم يُفتح باب الزنزانة
ركضت للفناء، أعطيت وجهي للسماء الرمادية وانتظرت أن يدخل بي الشيء الذي اشتقت إليه يوم ونصف حتى كدت أجنّ.
يهزمني الشك،
رفيق سجني يستلقي كعادته على السرير غير آبهٍ بالباب مفتوحٌ أو مقفل،
هل يعرف مكاناً/سماءً أكثر بهجة؟



#أشياء-تحملها-معك-قبل-اعتقالك

نومة التفاح



حياة واحدة هي أكثر مما يحتاجه المرء،
ما أهمية التجربة الثانية فيما بعد الموت؟ 
هل تشبه طوق النجاة الذي يُقدم للغريق بعد استنفاذ الحاجة له؟
بعضنا يختار أن يكون حراً في تقرير موته،
هذه ليست حرية، التحدي هو أن ترفض البعث، ترفض جعل الروح تنفخ فيك ثانية،
ترفض أن تغادر موتك/نومك
هل تستطيع؟
كل ما أريده هو أن أنام لمرة واحدة وإلى الأبد.

Wednesday, 30 November 2011

وهم



الدفءُ في القلب، والبردُ في الناس، والمكان غير ذي علاقة. 
ليسَّ الجوُّ سوى وهم.

Saturday, 26 November 2011

حلم 3

قبل أن أنام، أشاهدُ حلماً مرعباً
وكنت قد رأيته قبل ذلك بأشهر عديدة جدا حتى أني نسيت متى
لماذا يعود الآن؟ ما الذي يريد أن يقوله؟
أعرف: يذكرني أنه قد حذرني.
أكره الأحلام التي تعود لتذكرني أنها حذرتني، وأني لم أستمع.

Wednesday, 23 November 2011

sexy


مشكلة هذه القصة انها ليست sexy ، ليس بها الجاذبية والاثارة المطلوبة.
أرمقه بوجه جامد، وأعتقد أنه جرحني. ماذا يعني ان تكون حياتك قصة غير جذابة؟
ما هو المطلوب مني؟ أغير حياة مرت بي وانتهيت منها؟
أنا لا أريد أن أبهرك بقصة، أخبرك بما حدث وأطلب منك المساعدة، لكنك لا تعتقد ان هذا يكفي. عليّ أن أفعل أكثر من مجرد الشكوى، ينبغي أيضاً للشكوى أن تكون جذابة.
وينبغي علي اعادة صياغة هذه الحياة بطريقة تجعلها sexy اذا كنت اريد الحصول على المساعدة المطلوبة.
نساعدك بقدر ما قصتك جذابة. كان يجب ان يقولوا من البداية لأحاول ترتيب الحياة.
هناك قصص تجد مكانها في الصفحة الاولى
بعضها في الصفحة الخامسة، زاوية صغيرة في الأسفل بجانب زاوية التعازي
بعض القصص لا تجد مكانا بالمرة.

بعد سنتين من المحاولة استطعت اعادة صياغة ما حدث بالطريقة المطلوبة ال sexy للحصول على سطرين في الصفحة الخامسة. شعرت بنصر، لكنه تلاشى بسرعة.
هل هو زائف بقدر ما يبدو لي، هذا العالم الذي يهتم بجاذبية الأشياء وأسماءها، عوضا عن حقيقتها الجرداء؟

Sunday, 20 November 2011

الفزع الحيواني الذي ينتابك عندما تكتشف انك نسيت في اي كتاب خبأت رسالته التي لم تقرأها الا مرة واحدة
وليس بما يكفي لتحفظها.
وماذا لو -اللعنة على الخيال- أنك أهديت الكتاب لأحد ما، ناسٍ أنها بقلبه.
الآن ماذا؟

#الجانب-المظلم-لتكوين-المكتبات.

Monday, 14 November 2011

كتاب (كل، صل ، أحب) .. رحلة إيطاليا





14 أكتوبر 2011

بعد مشاهدة مقابلة اوبرا مع إليزابيث كاتبة (كل ، صل، أحب )، كنت قد اتخذت قرار قراءة الكتاب، ولكني بعد أشهر من شرائه لم أكن قد قرأته بعد.

حملته في حقيبة السفر، لم أكن متحمسة بعد لقراءته، في رأسي كانت مطارق لكتب أخرى تريدني أن أقرأها بشدة: أطفال منتصف الليل لسلمان رشدي، و التغذية بالأحلام مذكرات أريل دورفمان ، لكني لم أستطع الحصول على نسخة.

في الطائرة فتحته لأقرأ الفصول الأولى. لم تعجبني كثيراً، بدت لي الكاتبة مفتعلة، وبعض الأسطر مجرد كلمات لملأ الفراغ. ثم جاء الفصل الذي تحدثت فيه عن الإسم الذي تفضله للرب، لم تعجبني. وضعت الكتاب جانباً، وقررت البحث عن كتاب آخر في أول مكتبة أصادفها.

لم أستطع العثور على أي كتاب آخر، في رحلة العودة حملت الكتاب مرة أخرى دون نية قراءته. لكن الكتاب، مفجوعاً بالهجر المبكر والحاسم، قرر ما لم يخطر ببالي. حين فتحت الحقيبة لاستخراج المحفظة لاحظت عبوة المياه المفتوحة، واكتشفت أن الكتاب قد تحول إلى كتلة من الماء، وشعرت بالإمتنان لأن هذه التضحية الجبارة قد أنقذت جوازي وتذكرتي وأموالي من المصير ذاته!

لم أقرأه بالطبع لأنه كان مبتلاً بشدة، لكني وبعد أن وضعته في الشمس، واتخذ شكله النهائي ككتاب سبق له السباحة، وبعد ان انتُزعت بعض صفحاته من مكانها نتيجة الحادثة المؤلمة، أظنني شعرت برغبة جديدة في إعادة محاولة القراءة!

الفصول التي انهيتها بدت لي جيدة، ربما ليس علي ان أصدق أنها مذكرات صادقة مئة بالمئة، لكنها مكتوبة بشكل رائع.

في هذا الكتاب ليز تتحدث عن رحلة بدأتها بعد علاقة زوجية فاشلة، وهي لا تريد الخوض كثيرا في تفاصيل زيجتها، أظن تحسباً لدعاوى قضائية محتملة من الطليق المسعور، ولكنها تشرح بشكل تفصيلي الحالة التي وجدت نفسها فيها قبل أن تطلب الطلاق مباشرة، ثم وبشكل سريع تلخص حالها في الفترة التي كانت فيها تحاول اتمام اجراءات الطلاق، قبل أن تبدأ الرحلة.

في الفصل الذي توقفت عنده، جربت ليزا أمراً مدهشاً: كتابة عريضة إلى الله، لتطلب فيها منه وبوضوح الأمور التي ترغب فيها، أو بشكل أدق هو أمر واحد، أن تحصل على الطلاق بأسرع ما يمكن. ثم بدأت بالتفكير في جميع الأشخاص الذين يمكن أن يوافقوا على إدراج أسمائهم على هذه العريضة، بداية من أفراد عائلتها وأصدقائها، مروراً بالمشاهير والسياسيين، وصولاً إلى غاندي. من الواضح أن الجميع يريد وبشدة أن تحصل ليز على الطلاق. لو كان لها أن تعمل تعديلا في النسخ القادمة، يمكنها أن تضيف إلى العريضة، جميع من قرأوا المذكرات :)

أتطلع لما تحمله الفصول القادمة، عن الرحلة ذاتها، بدئاً من إيطاليا.


17 أكتوبر 2011

انطباعي مع كتاب كل، صل، أحب يتحسن مع القراءة واعتقد ان انطباعي الأول يرجع لظروفي وقت بدأت القراءة. ليزا بالأصل كاتبة صحفية، وفي بعض الفصول تنجح في صياغة قصة مكتملة في حين تكون هناك فصول اخرى قصيرة وذات انطباع عابر. الفصل الذي توقفت عنده يتحدث عن بداية تعلمها اللغة الايطالية عند وصولها إلى روما، فهي تقول ان الجميع هناك مستعد لإعطاءك دروس محادثة مجانية بمجرد جلوسك في اي ساحة، فهم يبدأون الحديث معك مباشرة، وتسرد حادثة صادفتها مع عجوز إيطالية (ألا نحب جميعا ثرثرة العجائز؟). أخذت ليزا دروسا في الايطالية في امريكا، ولهذا أرادات السفر إلى إيطاليا لتدرسها بشكل مباشرة في التجربة، لكنها ايضا انضمت بشكل نظامي إلى مدرسة لتعليم اللغة في روما. تسرد ذهابها معتدة بنفسها إلى امتحان تقييم اللغة، غير شاكة بإنتماءها إلى المستوى الثاني على الأقل، لكنها وبعد نجاحها بمعجزة في الامتحان وضمها للمستوى الثاني تضطر للهرب بعيون مليئة بالدمع لتطالب من الإدارية ضمها للمستوى الأول حيث يمكنها أن تفهم على الأقل ما يُقال في الصف! أحببت هذا الفصل، وأحببت التفاصيل التي تسرد بها جولتها في المدينة وتعارفها مع الناس. هذا يشعرني أني هناك جزئياً، ويضعني في محنة التفكير الجدي بالسفر إلى روما!


30 أكتوبر 2011

تتحدث ليز عن تجاربها المميزة / اكتشافاتها في الطعام الايطالي. حين وصلت الى هذه الفقرة أدهشتني الحالة العاطفية التي تصفها، بعد تذوقها (افضل بيتزا في العالم). الطعام الذي جعلها "تفقد عقلها" ، الشعور بأنها تحب هذه البيتزا بشدة، حتى ان البيتزا قد تبادلها المحبة. الشعور انها تقيم علاقة مع هذه البيتزا. صديقتها صوفي، خرت منها الدموع تأثرا بجودة البيتزا.

لا أمر بالكثير من المدائح للطعام. في الواقع ولا في الكتب. ولم يسبق لي أن شاهدت أحدا يبكي لاعجابه بالطعام، أفهم ان هذه درجة عاطفية عالية، وأجد من الغريب أني لم أصادف أحدا وصلها. إما أني فاتني شيء ما أو أن ثقافتنا لا تحمل الكثير من التقدير للطعام بوصفه طعاماً، ولا نسرف في وصف مشاعرنا تجاهه.

حديثها جعلني أفكر بكتاب آخر أنوي قراءته في المستقبل وبعد الحصول على نسخة: بيوغرافيا الجوع.


6 نوفمبر 2011

بدأت أعتقد أن أحد الأسباب التي جعلت هذا الكتاب (كل، صل ، أحب) شائعاً بين السيدات ، كما هو مكتوب على الغلاف: "استمر ينتقل من إمرأة إلى أخرى كما لو كان سر الحياة" يرجع إلى كل تلك الأحاديث العفوية عن حالات عاطفية تمر بها أو خبرتها معظم إن لم يكن كل النساء لمرة واحدة على الأقل في الحياة.

إليزابيث لا تقدم حلولاً دائماً حين تتحدث عن مشكلات عاطفية، أو مسائل اجتماعية، ولكنها تكتب عن صراعها الشخصي معها، تثير الأسئلة، وأحياناً تنجح بالفعل في الوصول إلى نقطة أمان.

هناك ذلك الفصل الذي بدأت الحديث فيه عن شعورها بالإكتئاب، وصراعها بين أن تلجأ للحل الأسهل: الأدوية التي استعملتها بالفعل من قبل وثبت نجاحها، أو أن تخوض المحنة بصبر، أو أن تفتش عن راحتها في وسائل أخرى، كأن تكتب المزيد من الرسائل لله، وتكتب ردوده أيضاً.


في جزء آخر تتحدث عن التضحية، مستحضرة مثال أمها التي عاشت مع رجل غالبا ما كان مهملاً عاطفياً لها، لكنها بقيت معه لأنها كانت تحبه، ولأنها استطاعت أن تحصل على الأطفال والعائلة التي تشعر من خلالها بالإنجاز. لقد ضحت برغبة في سبيل الحصول على رغبات أخرى، لكن ليزا تطرح أسئلة عن ضرورة هذا النوع من التضحية، ولماذا لا يكون بإمكانها أن تطمح إلى الحصول على ما هو أكثر، هل التضحية هي نوع من إنكار الجدارة بما هو أكثر؟ وفي رأسي يكبر السؤال إلى: ماذا لو كنت فقط أفوت على نفسي الفرص الأكبر لمجرد اقتناعي أن ما أقوم به هو تضحية مستحقة؟ هناك مُثل يتم غرسها في أنفسنا حول القناعة والرضا، ولكنها تغدو خطيرة جداً حين تصبح محاولة لتقييد الطموح والإقتناع بأحقية الفرد فينا بما هو أفضل، أو بما هو مستحيل. وربما يكون العكس صحيحاً أيضاً: أن السعي اللانهائي بإتجاه الأفضل والأكثر يعني تفويت الفرص المتاحة الأجمل. الرضا والقناعة ليسا سيئين، وأعتقد أن ليزا تطرح السؤال المهم: ما الذي أعتقد أنني أستحقه في الحياة؟



وتستحضر نصاً هنديا: "من الأفضل أن تعيش قدرك الخاص بشكل غير مثالي على أن تعيش محاكاة لقدر شخص آخر بشكل مثالي."

وهو ما يحيلنا مباشرة إلى إتباع ذلك القدر المصمم خصيصاً للمرأة، منذ ولادتها، هي تعرف بالضبط ما ستكون عليه حين تكبر، وما ستصبح عليه، وماذا ستكون المهارات التي تتقنها، وما هي الأشياء التي ستحبها. وهنا تحضر نصاً لفيرجينا وولف تقول فيه أن عبر القارة الواسعة لحياة المرأة هناك سيف يلقي بظله عليها، في احدى الجهات من السيف هناك الأعراف والتقاليد والنظام، حيث كل شيء "صحيح"، وفي الجهة الاخرى - إذا كانت مجنونة بما يكفي لتجاوز حد السيف خارج نطاق المتعارف عليه - ، فإن كل ما هنالك هو الإرتباك، لا شيء يسير وفق الأنظمة. ولربما هناك يمكن اكتشاف حياة أكثر إثارة للإهتمام، ولكنها لا تخلو من المخاطرة.





لكن الأقدار المعدة سلفاً ليست حقاً حكراً على المرأة، وليست محصورة في نطاق القدر المؤنث، لكن بطريقة ما هناك تصورات معدة مسبقاً عن "الصحيح" ضمن إطار الجماعة. فقط هي تغدو أكثر وضوحاً في حالة المرأة، ولربما مضاعفة.


14 نوفمبر 2011

الفصل الأخير من رحلة إيطاليا كان إبداعاً آخر في الفكرة. تصل ليزا إلى جزيرة سيسلي وتسير في الشوارع التي احتلتها عصابات المافيا وأحكمت سيطرتها عليها فوق سيطرة الحكومة، وفي الاحياء الفقيرة التي لا يبدو أنها تنتمي إلى إيطاليا إذ لا تزال تحمل آثار الحرب العالمية الثانية، تسير بين جدران المباني التي ربما ضمن ما تحوي من حجارة، تحمل أيضاً عظام الناس الذين دفنتهم المافيا للتخلص منهم، وتبحث ليزا عن أفضل مطعم لتناول الطعام فيه، كما فعلت في بقية المدن الإيطالية التي زارتها، ولكن هذه المرة يطرأ سؤال: في مثل هذا المكان، هل من السطحي أن تنشغل بالتفكير في أين تجد وجبتك الرائعة؟ أم أنه أفضل ما يمكن فعله بالنظر إلى الواقع غير السار؟

وتستعين بتفسيرات من كتاب (الإيطاليون) للكاتب لويجي بارزيني للسبب الذي يدفع الإيطاليون للسعي إلى الكمال في أمور الفن، الطهي، التصميم، الموسيقى، التمثيل، في الوقت الذي يعانون فيه من سياسيين، وجنرالات، وبروفيسورات، وصحافيين، غير أكفاء بشكل مخيف.



"في عالم من الفوضى والكوارث والتزييف، في بعض الأحيان وحده الجمال يمكن الثقة به. وحده التميز الفني غير قابل للفساد. لا يمكن المساومة على الشعور بالمتعة. وأحيانا تكون وجبة الطعام هي العملة الحقيقية الوحيدة."

"أن تكرس نفسك لصنع الجمال والتمتع به، إذن، يمكن أن يكون عملاً جاداً، ليس بالضرورة دائما كوسيلة للافلات من الواقع، ولكن في بعض الأحيان وسيلة للتمسك بشيء حقيقي عندما ينجرف كل شيء آخر للمبالغة والتآمر."


وهكذا تحاول أن تفهم، ما يمكن أن يكون قد فكر به أحد أهالي سيسلي، في محاولة للتمسك بحس الكرامة الإنسانية في الواقع الذي يعيشه، ربما فكر، بأنه يستطيع ان يفخر بنفسه لأنه استطاع صنع فيليه سمك شديد الإتقان.

وحين تضع ليز نفسها في المقارنة مع أهالي سيسلي فإنها تنتهي إلى أنها مثلهم، كانت بحاجة إلى البحث عن شيء جميل للتمسك به للشعور بحس الكرامة الإنسانية.


"عندما تشعر بأتفه إحتمال للسعادة بعد فترة طويلة من الأيام السوداء، يجب أن تقبض على تلك السعادة من كعبيها، إلى أن تسحبك إلى رأسك من ذلك الوحل. هذه ليست أنانية، بل واجب."

" لقد مُنحتَ الحياة، واجبٌ عليك (وكذلك هو حقك كإنسان) أن تعثر على شيء جميل في الحياة، مهما كان بسيطاً."

Monday, 7 November 2011

تتحرك

متى ستتوقف الأشياء التي تتحرك عندما لا أكون أنظر
عن الحركة عندما لا أكون أنظر.
تمر كبرق من زاوية عيني وأرى حركتها ولكني حين أنظر الى المكان الذي يفترض أن تكون فيه لا أرى شيئاً
سميته فأراً، ولكن اذا كان بوسع هذا الفأر أن يكون في كل مكان،
أو كان لدينا كل هذا العدد من الفئران
فإن الأمر يغدو مقلقاً حقاً
لأن هذه الأشياء التي تتحرك لا تكف، مرة ومرتين ، في هذه الغرفة أو تلك، في الصباح والمساء
تعبر من زاوية عيني دون هوادة ودون لحظة توقف.
فكرت أن النظارة قد تكون السبب، كل تلك المشاكل
التي نقع فيها حين نختار الإطار الخطأ، ولا تنس زاوية انكسار الضوء،
وما إلى ذلك.
لكن خلع النظارة لم يصل بي إلى نتيجة
لا تزال الأشياء تتحرك، دائماً مستعجلة، دائماً متجهة إلى مكان ما
ودائما غير مرئية إلا كخيط من الضوء.
كيف لنا أن نتفاهم إذا كانت لن تقف.

Thursday, 3 November 2011

طفل

أحب صوته الطفل جداً،
أحبه أكثر حين أتذكر أنه سيكبر قريباً، وسيفقد هذا الصوت،
أريد أن تمتلأ ذاكرتي به، أن أحتفظ به فيها،
ولا تخطر ببالي فكرة استعمال كاميرا فيديو
لسبب ما، لا أثق بقدرة هذه الأدوات على الحفظ، الذاكرة وحدها محط ثقة
أعرف أن لا شيء يضيع منها حقاً، ربما تنزوي الذكريات في زاوية قصية لكنها لا تضيع، لا تُسرق، لا تُكسر، لا تُخدش.. تبقى
أتذكر خيالات أصوات الأطفال الذين سبقوه،
وأواسي نفسي بالروح الرقيقة التي يحتفظ بها الأكبر منهم،
ليس حسناً أن أتمنى بقاءه طفلاً، هذا لا يختلف عن السجن،
حقه أن يكبر، ويكون.
أشعر بالقلق حين أفكر أنه قد يكون الطفل الأخير في هذا البيت
كيف كنا نعيش حين لم يكن هناك أطفال؟ ربما كنا أطفال، ولم نلاحظ.
أحاول أن أنتهي من عملي سريعاً، صوته الذي يتسرب الى غرفتي يستعجلني
أريد أن أكون معه، أراقبه وأسمعه،
أخشى أن يغادر قبل أن ألحق به، أتخيل كيف سأمضي في بقية النهار بدون صوته،
أتعذب،
أغادر الغرفة.

Wednesday, 2 November 2011

حلم 2


حتى في الحلم، لا يمكنني أن أحلم بأني أستطيع التحدث إليك.
أنا التي في الحلم حققت معجزة السباحة في الماء، كسمكة. لا أستطيع الحلم بأنّا عدنا أصدقاء. أي شرخ نما بيننا حتى أصبح أكبر من حلم.

حلم 1


يا للسعادة التي يبعثها حلم
بعد أن تيقنت أنهم قد سرقوا، بالإضافة إلى كل شيء آخر، أحلامك أيضاً
ها أنت تحلم بأنك أتقنت السباحة بمعجزة،
الماء الذي خفت منه أصبح حضناً لا تريد الانفلات عنه.
فارهٌ هذا الحلم ولا أجمل منه إلا أنك عدت تحلم.

Tuesday, 1 November 2011

تُعاد إلى المرسِل

ليس النظام البريدي بلا جدوى على الإطلاق، فمنذ تأسيسه، تم سنّ القانون الأهم: احتمال أن تتوه الرسالة عن مقصدها هو كإحتمال وصولها،
لذا يجب عليك كلما كتبت بريداً، أن تضع على احدى جهتي المظروف عنوان الهدف،
وعلى الوجه الآخر: عنوانك.
كل رسالة في الحقيقة لديها فرصتين لتفادي الضياع.

لكن هذه الرسالة، التي قطعت شوطاً طويلاً جداً في رحلتها، أكثر بكثير مما عاش بعض البشر
الآن، على ما تظنه عنوان مقصدها، تقف وتطرق الباب.
"آسف، لا أحد بهذا الإسم هنا، أعدها إلى المرسل."
هذه الرسالة، التي هي في الحقيقة رجل بوجه واحد، وبلا عنوان للمرسل، هي منذ الآن رسالة تائهة، وبشكل جدي.

Monday, 31 October 2011

نافذة

أعرف شعور نافذة، تصطدم بها من احدى الجهات حبات المطر، وتبقى الجهة الأخرى جافة، تضغط حبات الماء عليها ولا تعبر.

Sunday, 30 October 2011

البكاء لأجل آنّـا كارنينا




في عام 1860، وبينما كان (ألكسندر دوماس بير) على وشك الإبحار عبر البحر الأبيض المتوسط للحاق بحملة غاريبالدي إلى صقلية، توقف في مرسيليا، وزار (شاتو إذا ديفوار) حيث سُجن بطله، أدمون دانتيس لمدة أربعة عشر عاماً، قبل أن يصبح الكونت دي مونت كريستو، وحيث تعلم على يد زميله في الزنزانة القس فاريا. في زيارته تلك، اكتشف دوماس أن الزوار يتم إطلاعهم بإنتظام على ما يُسمى بالزنزانة "الحقيقية" لمونت كريستو، وأن المرشدين السياحيين يتحدثون باستمرار عن دانتيس وفاريا وسائر شخصيات الرواية كما لو أنها وُجدت حقاً.  في المقابل، فإن المرشدين ذاتهم لم يذكروا أبدا أن (شاتو إذا ديفوار) ضمّ بعض الشخصيات التاريخية الهامة كسجناء مثل أونوريه ميرابو.

وهكذا، علّق دوماس في مذكراته : "إنه شرفٌ للروائيين أن يخلقوا شخصيات تقتل تلك التي خلقها المؤرخون. السبب هو أن المؤرخين يستحضرون أشباح مجردة، في حين أن الروائيين يخلقون أناساً من لحم ودم."

ذات مرة حثني صديق لي على تنظيم ندوة حول هذا الموضوع: إذا كنا نعرف أن آنا كارنينا هي شخصية خيالية غير موجودة في العالم الواقعي، لماذا نبكي على محنتها؟ أو على أية حال لماذا تؤثر فينا مصائبها بعمق؟

على الأرجح فإن هناك العديد من القرّاء رفيعي التعليم من الذين لا يذرفون الدموع على قدر سكارليت أوهارا ولكنهم مع ذلك ارتاعوا لقدر آنا كارنينا. علاوة على ذلك، لقد رأيت مفكرين رفيعي الثقافة يبكون علنا في نهاية سيرانو دي برجراك ، وهذه حقيقة ينبغي ألا تدهش أحداً، لأنه عندما تهدف استراتيجية دراماتيكية الى جعل الجمهور يذرف الدموع، فإنها تجعلهم يبكون بغض النظر عن مستواهم الثقافي. هذه ليست مسألة جمالية: الأعمال العظيمة في الفن قد لا تثير ردود فعل عاطفية، في حين أن الكثير من الأفلام السيئة والروايات الرخيصة تنجح في ذلك. ودعونا نتذكر أن مدام بوفاري، الشخصية التي بكى لأجلها الكثير من القراء، كانت معتادة على البكاء على قصص الحب التي تقرأها.

قلت لصديقي جازما أن هذه الظاهرة ليس لها صلة وجودية ولا منطقية، ويمكنها أن تكون ذات أهمية لعلماء النفس فقط. يمكن أن نتماثل مع شخصيات خيالية وأفعالهم لأنه، وفقا لاتفاقية السرد، نحن نبدأ العيش في العالم المحتمل لقصتهم كما لو كان عالمنا الحقيقي. ولكن هذا لا يحدث عندما نقرأ الرواية فقط.

الكثيرون منا فكروا في بعض الأحيان في احتمال وفاة أحد أحبائهم، وتأثروا بعمق، إن لم يذرفوا الدموع، برغم أننا نعرف أن تلك الفكرة مجرد خيال وليست واقعاً. هذه الظواهر للتطابق والإسقاط طبيعية تماما و (أكرر) هي مسألة لعلماء النفس.  إذا كان هناك أوهام بصرية، كأن نرى شكل معين على أنه أكبر من غيره على الرغم من أننا نعرف أنها جميعاً لها الحجم ذاته، فلماذا لا تكون هناك أوهام عاطفية كذلك؟

حاولت أيضاً أن أبين لصديقي أن قدرة شخصية خيالية على جعل الناس يبكون، لا تعتمد فقط على صفاتها، ولكن على العادات الثقافية للقراء، أو على العلاقة بين توقعاتهم الثقافية واستراتيجية السرد.  في منتصف القرن التاسع عشر بكى الناس، أو حتى أجهشوا بالبكاء، على قدر فلور دي ماري في رواية أوجين سو ، بينما اليوم فإن مصائب الفتاة الفقيرة تتركنا – يا للسخرية- غير متأثرين. في المقابل، منذ عقود مضت تأثر الكثير من الناس بقدر جيني في (قصة حب) لإريك سيغال ، سواء في الرواية والفيلم .

في نهاية المطاف ، أدركت أني لا أستطيع استبعاد المسألة برمتها بسهولة. كان علي أن أعترف بأن هناك فرقا بين البكاء على وفاة متخيلة لأحد الأحباء، والبكاء على وفاة آنا كارنينا. صحيح أنه في كلتا الحالتين فإننا نأخذ ما يحدث في عالم محتمل على أنه أمر مفروغ منه: عالم خيالنا الشخصي في الحالة الأولى، وعالم صممه تولستوي في الحالة الثانية. ولكن اذا ما سؤلنا في وقت لاحق عما إذا كان هذا الشخص الحبيب قد قضى نحبه حقاً، فإننا نستطيع أن نقول بارتياح كبير أن هذا ليس صحيحاً، ذات الإرتياح الذي ينتابنا عندما نستيقظ من كابوس. بينما إذا ما سؤلنا ما إذا كانت آنا كارنينا قد ماتت، يجب علينا أن نجيب دائما بنعم، إذ أن واقع انتحار آنا صحيح، في كل العوالم المحتملة. 

وعلاوة على ذلك، حين يتعلق الأمر بالحب الرومانسي، نعاني عندما نتخيل أن يهجرنا المحبوب، ويندفع بعض من عانوا الهجر بالفعل إلى الإنتحار. ولكننا لا نعاني كثيرا إذا تعرض أصدقائنا للهجر من أحبائهم. نتعاطف معهم بلا شك، ولكن لم يسبق لي أن سمعت أن أحداً أقدم على الإنتحار لأن أحد أصدقائه تعرض للهجر. وهكذا يبدو غريبا أنه، عندما نشر غوته روايته (آلام الشاب فرتر)، التي ينتحر فيها الشاب فرتر نتيجة لقصة حبه الفاشلة، فإن العديد من القراء الرومانسيين انتحروا أيضاً. حملت هذه الظاهرة  اسم "تأثير فرتر." ماذا يعني ذلك، عندما ينزعج الناس قليلاً فقط لموت ملايين البشر الحقيقيين جوعاً – بما في ذلك العديد من الأطفال – لكنهم يشعرون بالأسى الشديد لوفاة آنا كارنينا؟ ماذا يعني ذلك، عندما نشارك شخصاً حزنه حتى ونحن  نعرف أن هذا الشخص ليس موجودا أبداً؟

Weeping for Anna Karenina



Sunday, 23 October 2011

العدالة الشخصية


غالبا ما تنتهي القصص الحزينة لارتطام الطائرات وتحطمها بصور العائلات المفجوعة، ثم أخبار عن تحقيق سريع جدا لأنك تريد حسم المسألة، ثم لوم الطيار الذي مات ضمن من ماتوا، وغالبا ما لا يتم تسميته ضحية بل الجاني، كما أثبت الصندوق الاسود، وإلا فلماذا هناك صندوق أسود.

لكن في هذه القصة بالذات كان هناك متورط آخر وهكذا لم يتم اغلاق الملف بسهولة. تم جر موظف برج المراقبة الى المحكمة. ليس أنه قاتل بالفطرة، وهو لا يستلذ بقتل الاطفال (أكثر من خمسين طفلا كانوا الضحايا الرئيسيين للحادثة) لكنه حاول قدر جهده وبالمعلومات المتاحة له أن ينقذ طائرتهم من ارتطام وشيك، ولم يكن يعرف انه يلعب ضد كومبيوتر يقدم للاعب الخصم/الطائرة الأخرى في الحادث/ التوجيهات ذاتها وهكذا انتهت الطائرتان الى عناق جوي قاتل.

المحكمة فهمت موقفه، ومنحته البراءة.

لكن والداً مفجوعاً بطفلين وأمهم، عائلته كلها، كانوا على متن الطائرة لم يفهم. وهكذا، بعد عامين من الحادثة، لم يجد مفراً من تشكيل جسد المراقب الجوي بعدة طعنات قاتلة.

حين قرأت الخبر شعرت بصدمة. لأني افترضت، في محكمتي الشخصية براءة المراقب من ذنب حادثة الطيران. ولم يعد ممكنا لي ان اقبل بعقابه بالقتل.

ولأفهم، حاولت ولا أزال تخيل حالة الفجيعة، أو طاقة الألم التي حملت الأب كل المسافة، ليس من روسيا الى ألمانيا فقط ، حيث يقطن المراقب، بل من كونه الانسان الأب الى الانسان القاتل، تلك الطاقة التي أحدثت فيه التحول الكافي ليستعمل السكاكين التي نقطع بها التفاح ليقطع بها جسد انسان وينهي حياته.

لكن الحقيقة هي أني لا أنسى هذه القصة التي قرأتها قبل خمس سنوات، لم أعد أشعر بالصدمة ذاتها، إذ أستمر في محاولة التخمين، أحيانا بدرجة من الإستعجال، كم بالضبط تستغرق تلك الرحلة/التحول قبل أن يصل المرء إلى نقطة التجرد من أخلاقه لصالح التخلص من ألمه، وتحقيق عدالته الشخصية.

Thursday, 20 October 2011

السلمانية

في السابعة من العمر قُبض عليّ للمرة الأولى، على السلالم بين الطابق الثاني والثالث، بعد مطاردة محمومة من الحارس المسعور، لم يدركني لكني استسلمت، شدني من العباءة السوداء، وعرفت وقتها انها لا تناسبني قطعاً، لكن الرعب الذي يبعثه صوته جعلني لا أطيل التفكير، فقد أيقنت أنها النهاية.

حدث ذلك قبل عشرين عاماً، في مجمع السلمانية الطبي، بينما كنت أحاول اقتراف زيارة غير قانونية لرؤية أخي الصغير.

Wednesday, 5 October 2011

أغاني فرناندو بيسوا في سهول أفريقيا



آخر.  أن أكون دائماً آخر
أن أسافر. أن أفقد بلداناً.
أن أعيش نظراً متواصلاً.
والروح بلا جذور.




أن أسير جنباً إلى جنب مع ذاتي
متخلصاً من كل انتماء.
مع قلق الظفر
بالغياب الذي هو مواصلة مستمرة.




أن أسافر هكذا. يا له من سفر!
في أفكاري وحدها
يسافر تفكيري.
ما تبقّى. سماءُ وأرض.




لو قُدّر لي، ولو لم أكن أحداً
أن أملك على صفحة وجهي، ذلك الصفاء العابر
الذي تملكه تلك الأشجار
لكان لي إذن ذلك الفرح
الذي تملكه الأشياء في الظاهر.




روحي تبحث عني،
 في السهول والجبال،
ليتها لا تعثر أبداً عليّ.




هنالك في الجانب الآخر
يوجد كل شيء، ما لا وجود له، ولا فكرة لي عنه
وكل غصن متمايل، 
يجعل السماء أكثر شسوعاً.




بين ما أنا عليه وبين أناي
مضجعاً، ثمة خلط.
لا أحس بشيء، ولست حزيناً
الحزن هو هذا الذي أنا فيه.




فوق القمح المتوهج
شمس عاطلة تستريح
بدون تفاهم مع ذاتي
مخدوعاً أمضي على الدوام.




لو في إمكاني ألا أعرف البتة
عني أي شيء
لكنت نسيت نسياني هذا لذاتي.





Sunday, 18 September 2011

حجر الصبر


من قرأ الأفغاني خالد حسيني سيقرأ أدب الأفغان مجدداً. وهذا ما قادني إلى حجر الصبر - عتيق رحيمي. حين بحثت عنه أول مرة قرأت الكثير من المقالات عن حجر الصبر، العمل الأدبي الفائز بجائزة الغونكور الفرنسية، والرواية ذات الطابع الرقيق: نزف امرأة أفغانية في حديث لا ينقطع لجسد زوجها الهائم في ما بين الحياة والموت، في غيبوبة. 

اهداء الرواية يثير وقفة، فهي مهداة إلى ن.أ الشاعرة الأفغانية التي قتلها زوجها "بوحشية". (ناديا أنجومان). لكنك الآن ترى هذه المرأة (البلا إسم) سيدة القصة، وقد تخلت عن حياتها لتمسك مسبحتها السوداء وتنخرط في صلوات بلا نهاية من أجل عودة هذا الرجل ( البلا إسم) من غيبوبته. قال لها الملا أنها اذا انتهت من قراءة أسماء الله الحسنى ، التسعة وتسعين ، في تسع وتسعين يوماً، فإن رجلها سيستفيق. ما الذي فعله ليستحق هذا التفاني؟

مسرح القصة مدهش، فجميع أحداثها تدور في غرفة واحدة صغيرة هي الغرفة التي يرقد فيها الجسد الهامد للزوج. الأحداث يتم سردها بناء على ما يجري في الغرفة، أو ما يُرى من نافذتها، أو يُسمع في خارجها ، لكن القصة تكبر وتنمو حقاً دون عناء، ودون حاجة إلى مزيد من أمكنة، يمكن لحياة كاملة أن تُسرد عبر غرفة، بعنكبوتها (ليس من نوعية الأرملة السوداء) ، وذبابتها النزقة، بالأطفال الذين يلعبون في الفناء ، وطلق الرصاص المتبادل في الشوارع المحيطة، والطرقات التي تتعالى على الباب، والأطفال الذين يغافلون أمهم للدخول، هناك الكثير حقاً.

لكن ثيمتها الأساس هي في التحولات التي تطرأ على المرأة منذ كفّت عن الصلوات لتدخل في مصارحة هذيانية مع الرجل الغائب عن هذا العالم. لتنفس عن غضبها من واقعها الذي تعيش، ثم لتنفس عن آلام ماضيها، قسوة والدها، خيبتها في زوجها (هو شخصياً) ، علاقتها بأهل زوجها، مخاوفها من مصير العقيم، هذه المرأة البلا إسم، من خلال بوحها ترسم ما يمكن أن يكون واقع أي إمراة أفغانية. تتحدث له وتتصاعد صراحتها مع الوقت لتبوح له بأعتى أسرارها، فقد أدركت أنه غدا حجر صبرها. 


"لقد طلب من كل صديق يزوره أن يحضر له ذلك الحجر .. حجر ثمين وأسود .. أنت تعرف، ذلك الحجر الذي تضعه أمامك وتخبره بكل مشاكلك ، كل مصاعبك، كل آلامك، كل مصائبك .. الحجر الذي تعترف له بكل شيء في قلبك، وكل ما لا تجرؤ على قوله للآخرين. تتحدث له، وتتحدث له، ويستمع لك الحجر. مستوعباً لكل أسرارك، إلى أن يأتي يوم جميل ، فينفجر. يتناثر إلى قطع صغيرة، وفي ذلك اليوم تكون قد تحررت من كل آلامك، وكل معاناتك. ماذا يُسمى ذلك الحجر؟"

«سينغي سابور» كما تقول الأسطورة الأفغانية أو «حجر الصبر» ، استطاعت هذه المرأة أن تجده في الزوج الغائب، وفي مقاطع لاحقة عرفت أيضاً وجود مادي آخر له، لكنها أيضاً جعلتني أفكر بما يمكنه أن يكون حجر الصبر. وفكرت لوهلة أني أعرفه، أنه ليس أسوداً بالضبط، أنه قد سمع الكثير من البوح، وأنه قد انفجر بالفعل. 


"ضوء النجوم في القفص/ كيف قلبك إذن!/ لا شك في أنه يرفرف بوحشية/ دائما يغني ضد الظلام/ الظلام الذي يعرفه ليشعر أخيراً بلدغة الخدر/ بالموت.. تمر بهدوء هذه الرؤية المختصرة للحياة/ للشخص الذي لا يرى أبداً/ للضوء الخالص./ يمسك قلبك أنينك المسمم/ بمخلب يزدرد كل خوفك/ حتى الآن لم يكن مثلك من باع قراره ولم يقو على الغناء/ لا تكن هادئا/ احتضن قبرك/ قفص المرمر الأبيض/ المساحة الشاحبة الرثة البائسة/ لن أسجن هنا/ كطائر حكيم تحلق كلماتي عالياً/ بحرية تحلق.. تطير وتعيش مرة أخرى!". أنجومان.

ناديا أنجومان

Saturday, 9 July 2011

كلنا نحب الكتب المصورة (1) - الغريب - ألبير كامو


كنت سأكتب، ليس الأطفال وحدهم من يحبون الكتب المصورة، ثم فكرت، من الذي لا يريد أن يُسمى طفلاً على أية حال. 

أعلن "هاوس اوف الستريشن" قبل أيام اسم الفائز بجائزته (ماثيو ريتشاردسن) في مسابقة إعداد لوحات تصويرية لرواية الغريب لألبير كامو. النسخة المصورة ستصدر لاحقاً عبر دار فوليو سوسايتي الداعمة للمسابقة. اللوحات مدهشة كما الرواية ، هنا بعض لوحات الفائز والآخرين الذين وصلوا للترشيحات النهائية.

Georgina Hounsome
القسم الأول - الفصل الأول: اليوم ماتت أمي. أو ربما ماتت أمس، لست أدري. لقد تلقيت برقية من المأوى.


Matthew Richardson
القسم الأول - الفصل الثاني: قررت أن أذهب للسباحة.. ولقيت في الماء ماري كاردونا .. وكانت السماء كلها في عيني

Chungwoon Choi
القسم الأول - الفصل السادس: وهنا وسط الضجة الجافة والتي تصم الآذان في وقت معاً، ابتدأ كل شيء.


Chungwoon Choi
القسم الثاني - الفصل الثاني: أدركت آنذاك أن بوسع انسان لا يعيش إلا يوماً واحداً أن يعيش بلا مشقة مئة عام في سجن.

"في بدء توقيفي، كانت لي أفكار رجل حر. من ذلك مثلاً أن الرغبة كانت تأخذني في أن أكون على شاطيء وفي ان أهبط إلى البحر. وكان يكفي أن أتخيل صوت الموجات الأولى تحت باطن قدمي، وانزلاق الجسد في الماء والخلاص الذي كنت أجده في ذلك، حتى كنت أشعر دفعة واحدة كم كانت جدران سجني متقاربة. ولكن ذلك استمر بضعة أشهر. وبعد ذلك لم تكن لدي سوى أفكار سجين."

Alenka Sottler 
القسم الثاني - الفصل الخامس: كان أشق شيء عليّ، تلك الساعة المريبة التي أعلم انهم اعتادوا على أن ينجزوا فيها عمليتهم. كان اذا انقضى منتصف الليل، انتظر واترقب. ولم يسبق لأذني قط أن التقطت هذا القدر الكبير من الضجيج، أو ميّزت أصواتاً دقيقة تلك الدقة. 


Joseph Melhuish
القسم الثاني - الفصل الرابع: لم أنظر في اتجاه ماري. لم يتح لي الوقت لذلك، لأن رئيس القضاة قال لي أن رأسي سيقطع في ساحة عامة بإسم الشعب الفرنسي.


المقاطع من الترجمة العربية الصادرة من دار الآداب لعايدة إدريس.


Thursday, 7 July 2011

فلاديمير نابوكوف، وفن المقابلة الذاتية



سارة فاي - باريس ريفيو
2 يوليو 2011

اليوم (الثاني من يوليو)، كما تعلمون، هي الذكرى 34 لوفاة فلاديمير نابوكوف الكاتب الأمريكي روسي الأصل. لن يكون هناك مسيرات حداد، ولكن ستكون هناك وفرة من الكلام، وبصورة رئيسية على شبكة NPR، عن روايته الأكثر شهرة لوليتا أو ميله إلى الفراشات. أكثر من أي يوم آخر سيتم ترديد كلمتين بدرجة كبيرة: lepidopterist "ذاك الذي يدرس عدداً كبيراً من الحشرات المجنحة، بما في ذلك الفراشات والعث" ، و nymphet التي طوّعها نابوكوف لتعني شيئا واحداً إلى الأبد: "الطفلة الجذابة جنسياً أو الناضجة جنسيا". ما لن يتم مناقشته على الأغلب هو نهج نابوكوف الحصيف والذكي تجاه الشعبية والشهرة. و ربما أكثر من أي كاتب آخر في القرن العشرين ، عرف نابوكوف كيف يسيطر على صورته. كتب جون أبدايك في "أسورتد بروس" أن نابوكوف لم يكن واحدا من أفضل من كتبوا بالإنجليزية فقط، ولكنه أيضا "شخصية قوية" يقدم أداءاً "قل نظيره في الأدب الأميركي." سيكون من المغالاة وضع نابوكوف في نفس فئة عمداء المشاهير مثل مادونا أو ليدي غاغا، لكن بالتأكيد كان بوسعه تعليمهم شيئا أو اثنين عن الشهرة وفن المقابلة. 

حلّت الشهرة على نابوكوف بعد نشره لوليتا في عام 1958. كان عمره ستين سنة في ذلك الوقت ويحاضر في جامعة كورنيل. حضر والدي محاضرات الأدب الأمريكي التي كان يقدمها نابوكوف ويقول أنه لا يتذكر أي شيء منها باستثناء الطريقة التي كان نابوكوف ينزلق بها إلى القاعة مرتدياً عباءة سوداء، بصحبة فيرا زوجته ومساعدته، كمرافقة. كان نابوكوف يقدم محاضرته بالاعتماد على الملاحظات المعدة سبقاً فيخرجها في أداء مؤثر في قاعة الدرس كان سبباً في جذب الطلاب إليه. ووفقا لبراين بويد ، كاتب أدق سيرة لنابوكوف، فإن دروس الأدب الأوروبي التي كان يقدمها نابوكوف تجيء في المركز الثاني من حيث نسبة الالتحاق بها بعد دروس الأغاني الشعبية لبيت سيغر. كمدرس للأدب ، أكدّ نابوكوف على أهمية القراءة من أجل التفاصيل، وكان يقوم بتكليف الطلاب بقراءة عدد أقل من الكتب من أجل قراءتها ببطء. اختبر الطلاب في نمط ورق الجدران في رواية مدام بوفاري ورسم المسار الذي يمشي فيه بلوم في "يوليسيس" على السبورة السوداء. وفقا لنابوكوف، فإن هذا النهج "أغضب أو حيّر طلبة الأدب (وأساتذتهم) إذ كانوا معتادين على دروس 'جادة' مليئة بـ 'التوجهات' و 'المدارس' و 'الخرافات' و 'الرموز' ، و' التعليق الاجتماعي' ، وشيء مخيف بشكل لا يوصف يسمى 'المناخ الفكري'. في الواقع تلك الدروس 'الجادة' كانت سهلة جدا إذ يجب على الطلاب لا أن يعرفوا الكتاب، بل أن يعرفوا عنه." 

تعامل نابوكوف مع الشهرة كما لو كانت رواية يجب أن تقرأ أو تكتب وفقا لتفاصيل محددة. قبل الهجرة أولاً إلى انجلترا ، حيث حضر كلية ترينيتي في كامبريدج، ثم إلى برلين، وأخيرا إلى أمريكا، كان نابوكوف قد كتب بالفعل تسع روايات وكان معروفاً بشكل جيد. ولكن حتى في باريس في الثلاثينات، لم يأخذ النقّاد أو ماكينة الشهرة على محمل الجد. وللتهكم بالناقد جورجي أداموفيتش، نشر نابوكوف بعض كتاباته تحت اسم مستعار "سيرين". أداموفيتش، الذي كان قد عبر عن رفضه لنابوكوف ككاتب، أشاد في استعراض لأحد كتب "سيرين" بهذا القلم ووعد بأنه سيكون واحدا من المواهب الكبيرة في العالم . لذا لم يكن مفاجئا أن يظهر نابوكوف في صورة لمجلة "لايف" في عام 1959 وهو يكتب "لوليتا" على بطاقات الملاحظات في سيارة العائلة، بعد نشر الرواية. أو أن يظهر بكل سرور على غلاف "التايم" في عام 1969 ، ومجلة "نيوزويك" في عام 1962. ولم يكن مفاجئاً قيامه بتصحيح كتاب كارل بروفير "مفاتيح إلى لوليتا" أو مراجعة السيرة التي أعدها اندرو فيلد عنه، قائلا أن حياته تشبه "ببلوغرافيا لا سيرة" و أن أفضل جزء من السيرة الذاتية للكاتب ليس "سجل مغامراته ولكن قصة أسلوبه". ولا تحكمه التام في نشر قصصه القصيرة، إذ جمعها وفقا "للموضوع، الفترة ، الشعور العام ، التماثل ، والتنوع"، ولا أنه ترجم رواياته الأولى الروسية، مثل اليأس ودفاع لوزين ، فضلا عن السيرة الذاتية التي أصبحت تعرف باسم (تكلمي أيتها الذاكرة) ، إلى اللغة الإنكليزية بنفسه، مضيفاً تعديلات جوهرية ومقدمات للنصوص. ولا العكس، قيامه بترجمة أعماله الانجليزية، مثل أدلة قاطعة ولوليتا، إلى اللغة الروسية. ولا أنه أدار وكتب كل مقابلاته بنفسه. 

على الرغم من أن نابوكوف واحدٌ من كثر مارسوا المقابلة الذاتية، وهو التقليد الذي يضم أوسكار وايلد، جيمس باري، ايفلين وو، نورمان ميلر، ترومان كابوت، غور فيدال، غلين غولد، ميلان كونديرا، وفيليب روث، إلا أنه كان الكاتب الوحيد الذي أجرى دائماً مقابلاته بنفسه. وبحسب علمي فإن نابكوف لم يجر مقابلة على الإطلاق دون الحصول على الأسئلة والإجابة عليها مسبقاً. حتى عندما ظهر مع ليونيل تريلينغ في مقابلة "حية" مسجلة في برنامج يسمى "كلوز أب" في 1958 لمناقشة الجدل الدائر حول لوليتا لهيئة الإذاعة الكندية ، فإن نابوكوف قرأ اجاباته على شاشة التلفزيون، من بطاقات الملاحظات. في غرفة أعدت لتبدو وكأنها مكتب الكاتب ولكنها في الحقيقة مجرد استوديو في قاعة راديو سيتي ميوزك ، نابوكوف لم يكلف نفسه حتى عناء التظاهر بأن المقابلة "حقيقية". ومثل محاضراته في جامعة كورنيل، التي كان يستقيها من الملاحظات المعدة مسبقاً، مقابلاته لم تكن فقط أداءً - كل مقابلة هي أداء- كانت نصوصاً. 

مقابلة نابوكوف مع باريس ريفيو ليست استثناء. بعد أن أرسل أسئلته مسبقا، وصل المُحاور هربرت قولد لإجراء المقابلة في مونترو بالاس، وهو فندق في سويسرا، ليجد نابوكوف في انتظاره. في مقدمته، كتب قولد أن نابوكوف سلمه مظروفا يحتوي على المقابلة النهائية. وفقا لبراين بويد كاتب سيرة نابوكوف، فإن نابوكوف قال: "هاك مقابلتك، تستطيع الذهاب الآن." كان نابوكوف قد كتب المقابلة بنفسه. وفيها يغطي المواضيع المعتادة – حياته كجامع حشرات مجنحة، حياته في المنفى، وما إلى ذلك، ولكن معرفة أنها محاورة نابوكوف لنابكوف يعطيها سحراً خاصاً. في خضم المقابلة يقول 'المُحاور': "كما تعلم ، لستَ مضطراً للإجابة على جميع أسئلتي الشبيهة بأسئلة كنبوت". في اشارة إلى كنبوت ، شخصية الراوي في رواية نابوكوف "نار شاحبة"، وهو أكاديمي مهووس بالكاتب جون شيد. ويرد نابوكوف على هذه الملاحظة بقوله: "لن يجدي أن نبدأ بتخطي الأسئلة الصعبة، دعنا نواصل." المقابلة غنية في حد ذاتها. انه يصنف دون كيشوت باعتباره "كتاب قاسي وفجّ" ويتحدث عن الطريقة التي فشل فيها فيلم ستانلي كوبريك المقتبس عن لوليتا ، والذي كتب له نابوكوف السيناريو ، فشل في الصعود إلى مستوى "توجهاته وأحلامه"؛ يناقش أخطاءه السرية ككاتب مثل "غياب المفردات الطبيعية"، ينزل وظيفة المحرر إلى أن يكون منقح نصوص، وينفي فكرة أي.ام.فوستر أن شخصياته تفر أحياناً بعيدا عنه كما كليشيهات استنفذت معناها، ويدلي ببيانه الشهير الذي يعتبر فيه نفسه "أمريكي بقدر ما هو شهر أبريل في أريزونا أمريكي". ولكن عندما يسرد العديد من أسماء الكتاب الراسخين الذين لم يعنوا له شيئاً - بريخت، وجويس وفولكنر، كامو، ولورنس - ويشير الى عزرا باوند بأنه "مزيف تماماً"، فإن علينا أن نتوقف ونتساءل ماذا كان يعني بالضبط. وعندما يقول "لوليتا مشهورة، وليس أنا. فأنا مجهول، مجهول على نحو مضاعف، روائي بإسم غير قابل للنطق." إنه ليس تواضعاً زائفاً، فهو يضفي أهمية على النص ويجعل نفسه شبحا. عندما طُلب منه الرد على ناقد قال بأن شخصياته تتضاءل لتصبح مجرد شيفرة. أجاب نابوكوف "كيف يمكن لي أن أقلص إلى مستوى الشيفرة، وما إلى ذلك، شخصية قمت باختراعها بنفسي؟ يمكن للمرء أن 'يقلص' كائن ولكن ليس طيفاً. " مثل شخصياته، نابوكوف يجعل نفسه شبحاً بسرور. 

ولكن لم تكن كل المجلات على استعداد للاعتراف بأن المقابلة المنشورة مع الشبح نابوكوف لم تقع أبداً بالفعل. في مقدمة لمقابلة بلاي بوي معه ، يصف المحاور "أسبوعاً من المحادثات المتواصلة" التي "أجريت" في مكتب نابوكوف. ولكن مثل هربرت قولد فإن المحاور لم يمض في الواقع أكثر من بضع دقائق في حضور نابوكوف. بعث اسئلته مكتوبة لنابوكوف عن طريق احد العاملين في الفندق ورد عليها نابوكوف كتابياً. كانت تلك كما اعترف المحاور لاحقا، المقابلة غير الشفوية الوحيدة التي أجرتها "بلاي بوي" على الاطلاق. ومع ذلك تشير المقدمة إلى أن "نابوكوف تصدى لأسئلتنا بخليط من سمات المكر والصراحة والسخرية وخفة الظل والبلاغة المراوغة ". وتواصل المقدمة لتصف الطريقة التي يتلكم بها نابوكوف "بروح الدعابة والود المهذب" ، وتخلص إلى أن "رواياته التي بحث فيها الكثير من النقاد عبثا سعياً لكشف سيرته الذاتية، تخفي أكثر مما تكشف هذا الرجل، ويبدو أنه يفضلها بهذا الشكل. ولكننا نعتقد أن حوارنا معه، المنشور في كانون الثاني 1964 ، يقدم لمحة رائعة من هذه العبقرية متعددة المستويات." ما يضفي بعدا أكثر إلى هذا أن نابوكوف قد سُرّ بالمقابلة والمقدمة، لدرجة أنه بدأ نشر القصة القصيرة في المجلة ، فضلا عن مقتطفات من روايته آدا. 

في (تكلمي أيتها الذاكرة) ، يوضح نابوكوف أن اهتمامه بالحشرات المجنحة له علاقة 'بأسرار المحاكاة' :"ظواهرها تكشف كمالاً فنياً يترافق عادة مع الأشياء التي طوّعها الإنسان. اكتشفت في الطبيعة المسرات غير النفعية التي سعيت وراءها في الفن. كلاهما كان نمطاً من السحر. كلاهماً كان لعبة من الفتنة والخداع المركبين". 



Sunday, 3 July 2011

أروندهاتي روي: "يحاولون إبقائي مزعزعة. كل من يتحدث بشيء يصبح في خطر."





الروائية الحائزة على جائزة البوكر تتحدث عن نشاطها السياسي في الهند، ولماذا لم تعد تدين المقاومة العنيفة -- ولماذا لا يهم إذا لم تكتب أبدا روايتها الثانية.

بواسطة – ستيفن موس
5 يونيو 2011 - الغارديان

هذه ليست بداية مثالية؛ إذ ارتطمت بأروندهاتي روي فيما كان كلانا متوجها إلى الحمام في بهو المبنى الكبير الذي يضم مكاتب ناشر كتبها (بنجوين). هناك بعض الكتّاب، نايبول على سبيل المثال، الذين يمكن أن يكون معهم هذا الحادث محرجا. ولكن لم يكن كذلك مع روي، التي هوّنت علي في الحال. بعد بضع دقائق، رتب لنا ناشرها الجلوس في غرفة صغيرة وجرداء. وفيما كنا نتخذ أماكننا على جانبي طاولة ضيقة، شبّهتُها بجناح الاستجواب، لكن روي قالت أن غرف الاستجواب في الهند أقل صحية بكثير من هذه الغرفة.

روي، التي تبلغ الخمسين من العمر هذا العام، عُرفت بروايتها الفائزة بجائزة البوكر في عام 1997 "إله الأشياء الصغيرة"، ولكنها على مدى العقد الماضي ظهرت بشكل متزايد كناقدة حادة للدولة الهندية، مهاجمة لسياستها تجاه كشمير، وتدمير البيئة الناجم عن التطور السريع، وبرنامج التسلح النووي للبلاد، والفساد. و كمعارض بارز لكل ما له صلة مع العولمة، تسعى روي إلى بناء "الحداثة الجديدة" على أساس الاستدامة، والدفاع عن الطرق التقليدية للحياة.

كتابها الجديد (جمهورية مكسورة) يجمع بين ضفتيه ثلاث مقالات حول جماعات المتمردين الماويين في غابات وسط الهند التي تقاوم محاولات الحكومة لتطوير وتنقيب الأراضي التي يعيش فيها سكان القبائل. المقال الأوسط "المشي مع الرفاق" ، هو قطعة رائعة من الريبورتاج، تسرد فيه سيرة الأسابيع الثلاثة التي أمضتها مع المتمردين في الغابات. أخبرها برأيي، أنها لابد قد كانت في خطر شخصي كبير.
"الجميع في خطر كبير هناك ، لذلك لا يمكنك الالتفاف بالشعور أنك أنت تحديداً في خطر" تقول بصوتها المبهج عالي النبرة. وعلى أية حال، تضيف، فإن عنف الرصاص والتعذيب لا يفوق في شيء عنف الجوع وسوء التغذية للمستضعفين الذين يشعرون أنهم تحت الحصار.

الوقت الذي أمضته مع المتمردين ترك لديها انطباعا عميقا. تصف الليالي التي قضتها نائمة على أرض الغابة في "فندق آلاف النجوم"، وتشيد "بضراوة وكبرياء هؤلاء الناس الفقراء في القتال للدفاع عن أنفسهم"، وتقول "وجودي في الغابة جعلني أشعر أن هناك مساحة كافية في جسدي لجميع أعضائي". إنها تكره الهند الحديثة، الجذابة، الشركاتية، المهووسة بالنمو، وهناك في الغابة وجدت سلاماً وجيزاً.

هناك غضب شديد في الكتاب، أقول لها، موضحاً أنها لو خففته فستجد جمهوراً أكثر استعداداً للإصغاء. " الغضب قياسي "، تصرّ. أنه أقل مما أشعر به فعلا." لكن رغم كل ذلك، فإن منتقديها يدعونها "حادة"، وترد على هذا بقولها "كلمة (حاد) محجوزة لوصف أي تعبير عن الشعور، أما بالنسبة للمؤسسات فيمكنها أن تكون حادة بقدر ما تشاء في موضوع إبادتها للناس."

هل انخراطها في النشاط السياسي مستمد من والدتها، ماري روي، التي أنشأت مدرسة في ولاية كيرالا، ولها شهرة باعتبارها ناشطة لأجل حقوق المرأة؟ " إنها ليست ناشطة"، ترد روي "أنا لا أعرف لماذا يستمر الناس في قولهم ذلك. أن والدتي مثل شخصية فرّت من طاقم أحد أفلام فيليني ". تضحك على وصفها. "إنها نشاط كون كامل خاص بها. النشطاء سيركضون ميلاً بعيداً عنها لأنهم لا يستطيعون التعامل مع ما هي عليه."

أريد أن أتحدث أكثر عن ماري روي -- وفي نهاية المطاف نفعل ذلك -- ولكن هناك نقطة إضافية مهمة ينبغي توضيحها أولاً. المتمردون استخدموا العنف، غالباً ضد الشرطة والجيش، ولكن في بعض الأحيان تسببوا في إصابة ووفاة مدنيين حوصروا في مرمى النيران. فهل تدين هذا العنف؟ "لم أعد أدينه" تقول. "إذا كنتَ من أديفازي (قبيلة هندية) تعيش في الغابات وثمة 800 رجل من قوة الشرطة الاحتياطية المركزية يأتون ويحيطون بقريتك ويبدأون بحرقها، ما الذي يفترض أن تفعله؟ هل من المفترض أن تُضرب عن الطعام؟ هل يمكن للجائع أن يبدأ إضراباً عن الطعام؟ اللاعنف هو قطعة من المسرح. أنت بحاجة إلى جمهور. ماذا يمكنك أن تفعل عندما لا يكون لديك أيّ جمهور؟ الناس لديها الحق في مقاومة الإبادة."

يعتبرها منتقدوها متعاطفة مع الماويين. فهل هي كذلك؟ "أنا متعاطفة مع الماويين" ، تجيب. "أنا لست منظّرة للماوية، وذلك لأن الحركات الشيوعية عبر التاريخ لا تقل تدميرا عن الرأسمالية ، ولكن الآن ، وبينما يستمر الاعتداء، أشعر وبشكل أكبر أن الماويين هم جزء من المقاومة التي أساند".

تتحدث روي عن المقاومة بصفتها "تمرد" ، وتصور الهند كما لو أنها على وشك أن تشهد ثورة على الطراز الصيني أو الروسي. فكيف حدث أننا في الغرب لا نسمع عن هذه الحروب الصغيرة؟ "لقد تم إخباري بصراحة تامة من قبل العديد من مراسلي الوكالات الدولية" تقول ، "أن لديهم تعليمات --'يجب ألا تنشر أخبار سلبية من الهند'-- لأنها وجهة استثمارية وهكذا فأنت لا تسمع عنه ولكن هناك تمرد ، وليس مجرد تمرد الماويين. بل أن الناس في كل مكان من البلاد يقاتلون". أجد فكرة وجود وصاية على الأخبار، - أو أن صحفياً يحترم نفسه سيقبل ذلك – سخيفة. ربما تكون التغطيات الأجنبية عن الهند متخاذلة أو قاصرة النظر ، ولكن لا اعتقد أنها فاسدة.

أقول لها أنها تبدو مثل عضو في طائفة دينية، كما لو أنها أبصرت النور. فتقول "إنها طريقة في الحياة، وطريقة في التفكير" ، وتضيف دون شعور بالضغينة . "أعرف أشخاصاً في الهند ، وحتى من بين الشباب المتحضرين، يفهمون أن هنالك شيء حي هنا". فلماذا لا تتخلى عن المنزل الفخم في دلهي والظهور الإعلامي ، وتعود إلى الغابة؟ "سأكون أكثر من سعيدة إذا اضطررت إلى ذلك ، ولكني سأصير عبئاً عليهم هناك في الغابة. المعارك يجب أن تُخاض بطرق مختلفة ، والجانب العسكري ليس سوى جزء واحد منها، ما أقوم به هو جزء آخر من المعركة ".

أشكك في أحكامها المطلقة ، ورؤيتها المانوية للعالم، لكنني معجب بشجاعتها. لقد رُشق منزلها بالحجارة ، وتمت مقاطعة حفل تدشين كتابها (جمهورية مكسورة) من قبل متظاهرين موالين للحكومة اقتحموا المنصة ، وربما يتم توجيه تهم رسمية لها بإثارة الفتنة لقولها أنه ينبغي إعطاء الكشميريين حق تقرير المصير. "إنهم يحاولون إبقائي مزعزعة" تقول. هل تشعر بأنها مهددة؟ "كل من يتحدث بأي شيء هو في خطر. هناك المئات من الناس في السجن".

شبهت روي الفرق بين كتابة الخيال والمناظرات بالفرق بين الرقص والمشي. ألا تريد الرقص مرة أخرى؟ "بالطبع أريد." هل تعمل على رواية جديدة؟ "لقد كنت أعمل عليها" ، وتضيف ضاحكة "لكنني لا أحصل على الكثير من الوقت للقيام بذلك." هل يشغلها أن تأخذ الرواية التالية لإله الأشياء الصغيرة وقتا طويلا للظهور؟ "بدرجة كبيرة أنا شخص غير طموح" وتضيف "ماذا يهم إذا كان أو لم يكن هناك رواية؟ أنا لا أنظر إلى الأمر على هذا النحو حقاً. بالنسبة لي، لا شيء استحق التنازل عن خوض الغابات".

من الصعب الحكم ما إذا كان سيكون هناك رواية ثانية. لقد رسمت رواية إله الأشياء الصغيرة كثيرا من تفاصيل حياتها- والدتها ذات الشخصية المليئة بالكاريزما ولكن المتغطرسة؛ الأب مزارع الشاي المخمور الذي تركته والدتها عندما كانت روي صغيرة جدا؛ مغادرتها للمنزل وهي في أواخر سن المراهقة – ان من الممكن أن يكون ذلك كتابها الوحيد، كُتب بقدر ما عاشت. ترد بإجابات غامضة حول ما إذا كانت تتوقع أن تظهر الرواية الثانية. من ناحية، تقول، فهي مشغولة بحركة المقاومة، وأنها تسيطر على أفكارها. ولكنها تواصل تقريبا في النفس ذاته، لتقول أن آخرين قد "التقطوا العصا" وأنها ترغب في العودة إلى الخيال ، وإلى الرقص مرة أخرى.

ما هو مؤكد هو أن القليل من الرواية الثانية قد تم كتابته حتى الآن. وهي تفضل ألا تخبرني عن موضوعها. بل تقول أنه لن يكون من الممكن تحديد هذا الموضوع "ليس لدي موضوعات. ليس الأمر كما لو أنني أحاول كتابة رواية مناهضون لبناء السد. الخيال أجمل من أن يكون محصوراً في شيء واحد. وينبغي أن يكون عن كل شيء". هل تعاني من إقفال مخيلتها بسبب الضغط الناجم عن ضرورة أن تلحق رواية ثانية بالرواية التي فازت بالبوكر؟ "لسنا أطفالاً يتنافسون ليحظوا بالمرتبة الأولى في الصف ويفوزوا بالجوائز. بل أنها البهجة الناتجة عن الكتابة. لا أعرف ما إذا كان سيكون كتاباً جيداً ولكني أتساءل كيف وماذا سأكتب بعد هذه الرحلات التي خضتها. "

هل يشعر وكيل أعمالها وناشرها بخيبة أمل لاستمرارهما في انتظار الرواية الثانية؟ "لقد عرفا دائماً أنه لن يكون هناك مصنع لإنتاج الروايات"، تقول. "لقد كنت واضحة جدا بذلك الشأن، فأنا لا أرى المغزى من هذا. لقد أنجزت شيئا. واستمتعت بإنجازه وأنا الآن اٌقوم بشيء آخر ، أنا أعيش بكل ما تصل إليه أصابعي وأستخدم كل ما لدي. انه من المستحيل بالنسبة لي أن أنظر إلى الأمور بطريقة سياسية أو بأي شكل من الأشكال كمشروع، لمواصلة مسيرتي المهنية. يتم حقنك مباشرة في دم الأماكن التي تعيش فيها وفي كل ما يحدث هناك."

انها ليست بحاجة مالية لكتابة رواية أخرى. فرواية إله الأشياء الصغيرة، التي باعت أكثر من 6 ملايين نسخة في جميع أنحاء العالم ، قد أمنت لها معيشتها لمدى الحياة. وذلك بالرغم من أنها قد تبرعت بقدر كبير من المال. بل أنها رفضت عروضا لبيع حقوق تحويل الرواية إلى فيلم، لأنها لا تريد أحدا أن يقوم بتفسير كتابها على الشاشة. "كل قارئ لديه رؤية في رأسه" تقول، "وأنا لا أريد لها أن تصبح فيلماً واحداً." هي قوية الإرادة. وقبل سنوات، في العام 1996 ، وبينما كان يجري إعداد إله الأشياء الصغيرة للنشر أصرت على أن يكون لها القول الفصل في غلاف الرواية لأنها لم ترد صورة غلاف من النمور والسيدات لابسات الساري (الزي الهندي). إنها ابنة والدتها التي لا تقهر.

أُصرّ على أن تخبرني المزيد عن أمها " الشخصية الفارّة من أفلام فيليني". تقول روي ، أنها مثل الإمبراطورة. لديها عدد من الأزرار بجانب سريرها، وعند الضغط عليها، تنبعث نداءات الطيور المختلفة. كل نداء يشير إلى واحد من حاشيتها بما تطلبه. هل كانت محورا لحياة ابنتها؟ "لا ، لقد كانت محورا للكثير من الصراعات في حياتي . إنها إمرأة غير عادية ، وعندما نكون معا أشعر أننا دولتان مسلحتان نوويا." تضحك بصوت عال. "علينا أن نكون حذرين بعض الشيء."

لنزع فتيل التوترات العائلية، غادرت روي البيت عندما كان عمرها ستة عشر عاماً لدراسة الهندسة المعمارية في دلهي -- حتى في ذلك الحين أرادت بناء عالم جديد. تزوجت من زميل لها في سن السابعة عشرة   "كان رجلا لطيفا جدا، لكنني لم آخذ الأمر على محمل الجد" . في عام 1984 التقت وتزوجت المخرج السينمائي براديب كريشن، وساعدته في تنشئة ابنتيه من زواج سابق. يعيشان الآن منفصلين ، على الرغم من أنها لا تزال تشير إليه باسم "حبيبي" . فلماذا الإنفصال؟ "حياتي شديدة الجنون. هنالك الكثير من الضغوطات والحساسيات، وأنا ليس لدي أي نظام، و ليس لدي أي شخص للتوسط بيني وبين العالم. أن الأمر يستند فقط على الغريزة." أعتقد أن ما تقوله هو أن الحرية أهم بالنسبة لها من أي شيء آخر.

اختارت عدم إنجاب الأطفال لأن ذلك سينعكس سلباً على تلك الحرية. "لفترة طويلة لم يكن لدي الوسائل لإعالتهم" تضيف "وعندما توفرّت لي شعرت بأني لا يعتمد عليّ. هناك الكثير من النساء في الهند يخضن هذه المعارك وليس لديهن أطفال ، لأن أي شيء يمكن أن يحدث، عليك أن تكون خفيفا على قدميك وخفيفا في رأسك، وأنا أحب أن أكون جمهورية متنقلة ".

وصفت روي في الماضي نفسها بأنها "نسوية بالمولد" ماذا كانت تعني بذلك؟ "بسبب والدتي والطريقة التي نشأت بها من دون أب يرعاني، تتعلم في وقت مبكر أن القاعدة الأولى هي أن ترعى نفسك. معظم ما يمكنني القيام به وقوله الآن يأتي من كوني أصبحت مستقلة في سن مبكرة ". وُلدت والدتها في مجتمع ثري ومسيحي محافظ في ولاية كيرالا، ولكنها وضعت نفسها خارج حظيرته حين تزوجت رانجيت روي وهو هندوسي من البنغال الغربية. عندما عادت إلى منزلها بعد حصولها على الطلاق كان لديها القليل من المال وبالتالي نالها تهميش مضاعف. لكن أمها انتصرت في النهاية على كل هذه العقبات وحققت نجاحاً بفضل المدرسة التي أسستها. برغم ذلك فإن نشأتها كشخص خارج عن الجماعة ترك بصماته على ابنتها.

تقول روي أنها كانت دائما انفعالية ، وتشير إلى جدالها مع المخرج شيخار كابور في منتصف التسعينات حول فيلمه "ملكة اللصوص" -- تساءلت عما إذا كان لديه الحق في تصوير اغتصاب امرأة لا تزال حية على الشاشة من دون موافقتها. ربما تكون الرواية هي الاستثناء في حياة من الإثارة ، عوضا عن أن تكون الإثارة حدثاً شاذاً في حياة من كتابة المتخيل. ولكن هل ضحت بالكثير من أجل النضال – فسحة الرقص، والأطفال، وربما حتى زواجها الثاني؟ "لا أرى أي من هذه الأشياء على أنها تضحيات" وتضيف "انها خيارات إيجابية. أشعر أنني محاطة بالحب، من خلال الإثارة. لا يجري القيام بهذه الأشياء على طريقة الشهداء، فعندما كنت أسير في الغابة مع الرفاق، كنا نضحك طوال الوقت."


Tuesday, 28 June 2011

التعويل المفرط فيه على سعة الصدر


تأخر الوقت على عقد الصداقات، أو ترميمها.
معك شعرتُ بهذا، كنتَ محطماً، مخذولاً، في أمس الحاجة إلى صديق
وكنتُ واقفاً على بعد أمتار بجسدي، لكن قلبي لم يكن هناك، ولم أمتلك ما يكفي من عاطفة لأحنو عليك، أو لأنقذك من هذا الغرق بكلمة صغيرة وبسيطة تشبه قولي أني رغم كل شيء لم أزل أحبك.
أنا لا أحبك، وهذي هي الحقيقة، ولا أستطيع أن لا أكرهك،
رغم نضالي لأقول لك العكس، لكن الوقت كان قد تأخر على إنكار الحقائق، أو ترميمها.
كان عندنا الوقت الكثير، والعمر الطويل لنبني هذه الصداقة
كانت الشفافية سمة روحي وكانت مفتوحة طوال الوقت لصداقتك التي لا تأتي، ولم تأتي
بدلاً منها جاءت القسوة، والتكبر، والجفاء، والاستصغار، ولسنوات كان الفشل سيد الموقف في مشروع صداقتنا، لكني انتظرت. شعرت أن الوقت سيجيء ذات مرة، ونصبح أصدقاء، قلت ربما عندما نكبر نصبح أصدقاء، لكننا كبرنا، وكبرت تلك العضلة التي تسند بوابة قلبي، وأوصدته. لم تعد بذات الليونة القادرة على نسيان كل شيء والغفران المطلق. لم تعد مرنة بما يكفي لتجاوز جراحاتها وعقد صداقة مع السكين. ها أنا الآن وأنت تفتش بعينيك عن الصديق فيي وتنتظر كلمة، اعرف أن الوقت قد تأخر على عقد صداقة، وأن لا مفر من مغادرتي لك.

Tuesday, 14 June 2011

يومَ طـُرد إدوارد سعيد من فيكتوريا كولدج



ليس خيراً من وقت تعصف فيه العواصف للعودة إلى قراءة كتاب ممل، ومثير للإهتمام. هكذا بعد توقف عدة أشهر عن متابعة السيرة المملة للكيفية التي يجتهد بها والدا سعيد لكبحه عن أن يكون ولداً ، مشاغباً وشريراً كأي ولد آخر يحترم نفسه، أعود للقراءة بمتعة أكبر، وقد نجحت أخيراً في ملاحظة كيف أنهما يفشلان على أية حال.  

وأعترف أني أجد صعوبة في الإستمرار بإتهام الكتاب أنه ممل، وقد جعلني أضحك تلقائياً للطريقة المدهشة التي يحكي بها سعيد الحادثة التي طُرد بسببها، في الخامسة عشر من العمر، من المدرسة الثانوية (فيكتوريا كولدج) ، في القاهرة عام 1951، بعد رفضه أن يقرأ شكسبير، لأنه ببساطة، يريد أن يقرأ والتر سكوت.

خارج المكان ، إدوارد سعيد، صفحة 260 ،دار الآداب، الطبعة الاولى


يصف إدوارد شعوره يومها بالعزلة، بالذهول، بالخوف، وقد غدا بمعنى الكلمة "خارج المكان"، [أضف إلى ذلك الألم الجسماني الناجم عن حفلة جَلد أقامها له والده] ، لكن قدرته بعد سنوات عديدة على استعادة الحادثة وهو يكتبها ضمن سيرته بصياغة مثيرة للضحك، ويخبرنا كيف عاد مع أسرته بعد أكثر من 30 سنة ليريهم المدرسة التي طُرد منها، على سبيل "التسلية"،  يذكرنا بالجانب المشرق لأتعس حوادث حياتنا، إنها تصنع ذكريات مسلية حقاً.

يصف سعيد شعوراً آخراً أيضاً، وجد لنفسه مكاناً برغم الخوف والألم في ذلك اليوم:  "لقد تحررت من جسدي، وانعتقت من كل الارتهانات والواجبات والقيود المعتادة. لم أشعر قط أني حرّ وبمنأى عن أيّ توجيه على ذلك النحو الخطير الذي شعرت به حينها." ولا يرد من سعيد ما يشي بندمه على شيء، ولا على ذكائه الذي قاده إلى المهالك وتم تشخيصه بصفته ذنباً:

خارج المكان، إدوارد سعيد، صفحة 262، دار الآداب، الطبعة الأولى


بالطبع، ككل الأشياء الجميلة التي لا تدوم، لم يحتفظ إدوارد بحريته طويلا، إذ تم إرساله للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكمل دراسته إلى أن أصبح البروفيسور "إدوارد سعيد"،  أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وأحد أهم نقاد الأدب، والكتاب العرب-أمريكيين.


ما حدث لسعيد قبل ستين عاما يؤكد أن ثمة أشياء ثابتة في الكون، وأن الفيزياء "شكراً لله" تحكم قبضتها على زمام كل شيء بما في ذلك حيواتنا. سيحارب العالم ما يشذّ عن قوانينه الأساسية، سيجلد الخارجين ويقصيهم، ولكنهم بطريقة أو بأخرى سيجدون مكانهم في نهاية المطاف.



ملاحظة هامشية وغير مفيدة: ثمة شيء ما يثير الريبة بخصوص فبراير، وأظن، على جميع طابعي التقاويم أن يطبعوا تنويهاً بهذا الخصوص.


Sunday, 9 January 2011

على المرء أن يكون بلا قلب ليطير


فقط في العوالم المثالية للفيزياء، بإمكان قانون الجاذبية الأرضية أن يقتصر على كتلة الجسم، محددة بوزن المادة بالكيلوغرام، وبعض قوى أرضية ليصل إلى نتيجة أنك لن تطير، ربما. لكن لا يمكن نقله إلى الواقع دون أن تضاف إليه فوراً قائمة ثقيلة من القوى فوق أرضية التي تجذبك إلى الأرض: وجوه الذين تحبهم، والذين لا تحبهم لكنهم وجدوا طريقهم للإرتباط بك إلى الأبد. تعرف أن سحب حبل الغسيل بما عليه من ثياب أثناء طيرانك* ليس أسوأ ما قد يحدث، وأنك لحظة تطير ستنزع معك ما هو أكثر من المسامير غير المرئية التي طرقوك بها إلى الأرض حين ربطوا مصائرهم بمصيرك [أم أنك الذي ربطتها؟]، وتتحالف معهم ضدك خيالاتك الشريرة. أيّا تكون قدرة الأرض على الجذب، هذه الوجوه لها أضعاف تلك القدرة، وعلى المرء أن يكون بلا قلب لكي يطير.



* ريميديوس فعلتها في مئة عام من العزلة، يا للشريرة.

Sunday, 2 January 2011

الزمن لا يمضي

سنة 2000 كانت سنة صعبة وربما اعتقدت في ذلك الوقت أنها أصعب سنوات حياتي، بعدها جاءت 2001 لتحمل بعض من أجمل تجارب حياتي ، سنة 2010 أثبتت أنها أصعب سنة في حياتي - حتى الآن ، ربما 2011 تأتي بالتعويض .. أعتقد بوجود الدوائر التي تدور عليها وتيرة الحياة مثلما تدور الأرض والأفلاك. وسأراقب ما يحدث.

( كان خوسيه أركاديو الثاني يواصل قراءة الرقاق. وكان الشيء المرئي في متاهة الشعر المتشابكة والكثة، هي أسنانه المخططة بزنجار أخضر، وعينيه الثابتتين. حين تعرف على صوت جدة أبيه، حرك رأسه باتجاه الباب، وحاول الإبتسام، وكرر دون معرفة مسبقة، جملة قديمة لأورسولا، اذ قال مدمدماً:
-ماذا تريدين ، فالزمن يمضي.
- صحيح - قالت أورسولا - ولكن ليس إلى هذا الحد.
وما أن قالت ذلك حتى انتبهت إلى أنها تقدم الجواب نفسه الذي تلقته من الكولونيل أوريليانو بوينديا في زنزانته ، وهو محكوم عليه بالأعدام، وأحست بالقشعريرة ، مرة أخرى ، وهي تتأكد مجدداً من أن الزمن لا يمضي ، مثلما وافقت للتو، وانما يلتف دائرياً.
مئة عام من العزلة غابرييل غارسيا ماركيز - ترجمة صالح علماني، دار المدى، ص405 )