Sunday, 30 October 2011

البكاء لأجل آنّـا كارنينا




في عام 1860، وبينما كان (ألكسندر دوماس بير) على وشك الإبحار عبر البحر الأبيض المتوسط للحاق بحملة غاريبالدي إلى صقلية، توقف في مرسيليا، وزار (شاتو إذا ديفوار) حيث سُجن بطله، أدمون دانتيس لمدة أربعة عشر عاماً، قبل أن يصبح الكونت دي مونت كريستو، وحيث تعلم على يد زميله في الزنزانة القس فاريا. في زيارته تلك، اكتشف دوماس أن الزوار يتم إطلاعهم بإنتظام على ما يُسمى بالزنزانة "الحقيقية" لمونت كريستو، وأن المرشدين السياحيين يتحدثون باستمرار عن دانتيس وفاريا وسائر شخصيات الرواية كما لو أنها وُجدت حقاً.  في المقابل، فإن المرشدين ذاتهم لم يذكروا أبدا أن (شاتو إذا ديفوار) ضمّ بعض الشخصيات التاريخية الهامة كسجناء مثل أونوريه ميرابو.

وهكذا، علّق دوماس في مذكراته : "إنه شرفٌ للروائيين أن يخلقوا شخصيات تقتل تلك التي خلقها المؤرخون. السبب هو أن المؤرخين يستحضرون أشباح مجردة، في حين أن الروائيين يخلقون أناساً من لحم ودم."

ذات مرة حثني صديق لي على تنظيم ندوة حول هذا الموضوع: إذا كنا نعرف أن آنا كارنينا هي شخصية خيالية غير موجودة في العالم الواقعي، لماذا نبكي على محنتها؟ أو على أية حال لماذا تؤثر فينا مصائبها بعمق؟

على الأرجح فإن هناك العديد من القرّاء رفيعي التعليم من الذين لا يذرفون الدموع على قدر سكارليت أوهارا ولكنهم مع ذلك ارتاعوا لقدر آنا كارنينا. علاوة على ذلك، لقد رأيت مفكرين رفيعي الثقافة يبكون علنا في نهاية سيرانو دي برجراك ، وهذه حقيقة ينبغي ألا تدهش أحداً، لأنه عندما تهدف استراتيجية دراماتيكية الى جعل الجمهور يذرف الدموع، فإنها تجعلهم يبكون بغض النظر عن مستواهم الثقافي. هذه ليست مسألة جمالية: الأعمال العظيمة في الفن قد لا تثير ردود فعل عاطفية، في حين أن الكثير من الأفلام السيئة والروايات الرخيصة تنجح في ذلك. ودعونا نتذكر أن مدام بوفاري، الشخصية التي بكى لأجلها الكثير من القراء، كانت معتادة على البكاء على قصص الحب التي تقرأها.

قلت لصديقي جازما أن هذه الظاهرة ليس لها صلة وجودية ولا منطقية، ويمكنها أن تكون ذات أهمية لعلماء النفس فقط. يمكن أن نتماثل مع شخصيات خيالية وأفعالهم لأنه، وفقا لاتفاقية السرد، نحن نبدأ العيش في العالم المحتمل لقصتهم كما لو كان عالمنا الحقيقي. ولكن هذا لا يحدث عندما نقرأ الرواية فقط.

الكثيرون منا فكروا في بعض الأحيان في احتمال وفاة أحد أحبائهم، وتأثروا بعمق، إن لم يذرفوا الدموع، برغم أننا نعرف أن تلك الفكرة مجرد خيال وليست واقعاً. هذه الظواهر للتطابق والإسقاط طبيعية تماما و (أكرر) هي مسألة لعلماء النفس.  إذا كان هناك أوهام بصرية، كأن نرى شكل معين على أنه أكبر من غيره على الرغم من أننا نعرف أنها جميعاً لها الحجم ذاته، فلماذا لا تكون هناك أوهام عاطفية كذلك؟

حاولت أيضاً أن أبين لصديقي أن قدرة شخصية خيالية على جعل الناس يبكون، لا تعتمد فقط على صفاتها، ولكن على العادات الثقافية للقراء، أو على العلاقة بين توقعاتهم الثقافية واستراتيجية السرد.  في منتصف القرن التاسع عشر بكى الناس، أو حتى أجهشوا بالبكاء، على قدر فلور دي ماري في رواية أوجين سو ، بينما اليوم فإن مصائب الفتاة الفقيرة تتركنا – يا للسخرية- غير متأثرين. في المقابل، منذ عقود مضت تأثر الكثير من الناس بقدر جيني في (قصة حب) لإريك سيغال ، سواء في الرواية والفيلم .

في نهاية المطاف ، أدركت أني لا أستطيع استبعاد المسألة برمتها بسهولة. كان علي أن أعترف بأن هناك فرقا بين البكاء على وفاة متخيلة لأحد الأحباء، والبكاء على وفاة آنا كارنينا. صحيح أنه في كلتا الحالتين فإننا نأخذ ما يحدث في عالم محتمل على أنه أمر مفروغ منه: عالم خيالنا الشخصي في الحالة الأولى، وعالم صممه تولستوي في الحالة الثانية. ولكن اذا ما سؤلنا في وقت لاحق عما إذا كان هذا الشخص الحبيب قد قضى نحبه حقاً، فإننا نستطيع أن نقول بارتياح كبير أن هذا ليس صحيحاً، ذات الإرتياح الذي ينتابنا عندما نستيقظ من كابوس. بينما إذا ما سؤلنا ما إذا كانت آنا كارنينا قد ماتت، يجب علينا أن نجيب دائما بنعم، إذ أن واقع انتحار آنا صحيح، في كل العوالم المحتملة. 

وعلاوة على ذلك، حين يتعلق الأمر بالحب الرومانسي، نعاني عندما نتخيل أن يهجرنا المحبوب، ويندفع بعض من عانوا الهجر بالفعل إلى الإنتحار. ولكننا لا نعاني كثيرا إذا تعرض أصدقائنا للهجر من أحبائهم. نتعاطف معهم بلا شك، ولكن لم يسبق لي أن سمعت أن أحداً أقدم على الإنتحار لأن أحد أصدقائه تعرض للهجر. وهكذا يبدو غريبا أنه، عندما نشر غوته روايته (آلام الشاب فرتر)، التي ينتحر فيها الشاب فرتر نتيجة لقصة حبه الفاشلة، فإن العديد من القراء الرومانسيين انتحروا أيضاً. حملت هذه الظاهرة  اسم "تأثير فرتر." ماذا يعني ذلك، عندما ينزعج الناس قليلاً فقط لموت ملايين البشر الحقيقيين جوعاً – بما في ذلك العديد من الأطفال – لكنهم يشعرون بالأسى الشديد لوفاة آنا كارنينا؟ ماذا يعني ذلك، عندما نشارك شخصاً حزنه حتى ونحن  نعرف أن هذا الشخص ليس موجودا أبداً؟

Weeping for Anna Karenina



No comments:

Post a Comment