Saturday, 9 July 2011

كلنا نحب الكتب المصورة (1) - الغريب - ألبير كامو


كنت سأكتب، ليس الأطفال وحدهم من يحبون الكتب المصورة، ثم فكرت، من الذي لا يريد أن يُسمى طفلاً على أية حال. 

أعلن "هاوس اوف الستريشن" قبل أيام اسم الفائز بجائزته (ماثيو ريتشاردسن) في مسابقة إعداد لوحات تصويرية لرواية الغريب لألبير كامو. النسخة المصورة ستصدر لاحقاً عبر دار فوليو سوسايتي الداعمة للمسابقة. اللوحات مدهشة كما الرواية ، هنا بعض لوحات الفائز والآخرين الذين وصلوا للترشيحات النهائية.

Georgina Hounsome
القسم الأول - الفصل الأول: اليوم ماتت أمي. أو ربما ماتت أمس، لست أدري. لقد تلقيت برقية من المأوى.


Matthew Richardson
القسم الأول - الفصل الثاني: قررت أن أذهب للسباحة.. ولقيت في الماء ماري كاردونا .. وكانت السماء كلها في عيني

Chungwoon Choi
القسم الأول - الفصل السادس: وهنا وسط الضجة الجافة والتي تصم الآذان في وقت معاً، ابتدأ كل شيء.


Chungwoon Choi
القسم الثاني - الفصل الثاني: أدركت آنذاك أن بوسع انسان لا يعيش إلا يوماً واحداً أن يعيش بلا مشقة مئة عام في سجن.

"في بدء توقيفي، كانت لي أفكار رجل حر. من ذلك مثلاً أن الرغبة كانت تأخذني في أن أكون على شاطيء وفي ان أهبط إلى البحر. وكان يكفي أن أتخيل صوت الموجات الأولى تحت باطن قدمي، وانزلاق الجسد في الماء والخلاص الذي كنت أجده في ذلك، حتى كنت أشعر دفعة واحدة كم كانت جدران سجني متقاربة. ولكن ذلك استمر بضعة أشهر. وبعد ذلك لم تكن لدي سوى أفكار سجين."

Alenka Sottler 
القسم الثاني - الفصل الخامس: كان أشق شيء عليّ، تلك الساعة المريبة التي أعلم انهم اعتادوا على أن ينجزوا فيها عمليتهم. كان اذا انقضى منتصف الليل، انتظر واترقب. ولم يسبق لأذني قط أن التقطت هذا القدر الكبير من الضجيج، أو ميّزت أصواتاً دقيقة تلك الدقة. 


Joseph Melhuish
القسم الثاني - الفصل الرابع: لم أنظر في اتجاه ماري. لم يتح لي الوقت لذلك، لأن رئيس القضاة قال لي أن رأسي سيقطع في ساحة عامة بإسم الشعب الفرنسي.


المقاطع من الترجمة العربية الصادرة من دار الآداب لعايدة إدريس.


Thursday, 7 July 2011

فلاديمير نابوكوف، وفن المقابلة الذاتية



سارة فاي - باريس ريفيو
2 يوليو 2011

اليوم (الثاني من يوليو)، كما تعلمون، هي الذكرى 34 لوفاة فلاديمير نابوكوف الكاتب الأمريكي روسي الأصل. لن يكون هناك مسيرات حداد، ولكن ستكون هناك وفرة من الكلام، وبصورة رئيسية على شبكة NPR، عن روايته الأكثر شهرة لوليتا أو ميله إلى الفراشات. أكثر من أي يوم آخر سيتم ترديد كلمتين بدرجة كبيرة: lepidopterist "ذاك الذي يدرس عدداً كبيراً من الحشرات المجنحة، بما في ذلك الفراشات والعث" ، و nymphet التي طوّعها نابوكوف لتعني شيئا واحداً إلى الأبد: "الطفلة الجذابة جنسياً أو الناضجة جنسيا". ما لن يتم مناقشته على الأغلب هو نهج نابوكوف الحصيف والذكي تجاه الشعبية والشهرة. و ربما أكثر من أي كاتب آخر في القرن العشرين ، عرف نابوكوف كيف يسيطر على صورته. كتب جون أبدايك في "أسورتد بروس" أن نابوكوف لم يكن واحدا من أفضل من كتبوا بالإنجليزية فقط، ولكنه أيضا "شخصية قوية" يقدم أداءاً "قل نظيره في الأدب الأميركي." سيكون من المغالاة وضع نابوكوف في نفس فئة عمداء المشاهير مثل مادونا أو ليدي غاغا، لكن بالتأكيد كان بوسعه تعليمهم شيئا أو اثنين عن الشهرة وفن المقابلة. 

حلّت الشهرة على نابوكوف بعد نشره لوليتا في عام 1958. كان عمره ستين سنة في ذلك الوقت ويحاضر في جامعة كورنيل. حضر والدي محاضرات الأدب الأمريكي التي كان يقدمها نابوكوف ويقول أنه لا يتذكر أي شيء منها باستثناء الطريقة التي كان نابوكوف ينزلق بها إلى القاعة مرتدياً عباءة سوداء، بصحبة فيرا زوجته ومساعدته، كمرافقة. كان نابوكوف يقدم محاضرته بالاعتماد على الملاحظات المعدة سبقاً فيخرجها في أداء مؤثر في قاعة الدرس كان سبباً في جذب الطلاب إليه. ووفقا لبراين بويد ، كاتب أدق سيرة لنابوكوف، فإن دروس الأدب الأوروبي التي كان يقدمها نابوكوف تجيء في المركز الثاني من حيث نسبة الالتحاق بها بعد دروس الأغاني الشعبية لبيت سيغر. كمدرس للأدب ، أكدّ نابوكوف على أهمية القراءة من أجل التفاصيل، وكان يقوم بتكليف الطلاب بقراءة عدد أقل من الكتب من أجل قراءتها ببطء. اختبر الطلاب في نمط ورق الجدران في رواية مدام بوفاري ورسم المسار الذي يمشي فيه بلوم في "يوليسيس" على السبورة السوداء. وفقا لنابوكوف، فإن هذا النهج "أغضب أو حيّر طلبة الأدب (وأساتذتهم) إذ كانوا معتادين على دروس 'جادة' مليئة بـ 'التوجهات' و 'المدارس' و 'الخرافات' و 'الرموز' ، و' التعليق الاجتماعي' ، وشيء مخيف بشكل لا يوصف يسمى 'المناخ الفكري'. في الواقع تلك الدروس 'الجادة' كانت سهلة جدا إذ يجب على الطلاب لا أن يعرفوا الكتاب، بل أن يعرفوا عنه." 

تعامل نابوكوف مع الشهرة كما لو كانت رواية يجب أن تقرأ أو تكتب وفقا لتفاصيل محددة. قبل الهجرة أولاً إلى انجلترا ، حيث حضر كلية ترينيتي في كامبريدج، ثم إلى برلين، وأخيرا إلى أمريكا، كان نابوكوف قد كتب بالفعل تسع روايات وكان معروفاً بشكل جيد. ولكن حتى في باريس في الثلاثينات، لم يأخذ النقّاد أو ماكينة الشهرة على محمل الجد. وللتهكم بالناقد جورجي أداموفيتش، نشر نابوكوف بعض كتاباته تحت اسم مستعار "سيرين". أداموفيتش، الذي كان قد عبر عن رفضه لنابوكوف ككاتب، أشاد في استعراض لأحد كتب "سيرين" بهذا القلم ووعد بأنه سيكون واحدا من المواهب الكبيرة في العالم . لذا لم يكن مفاجئا أن يظهر نابوكوف في صورة لمجلة "لايف" في عام 1959 وهو يكتب "لوليتا" على بطاقات الملاحظات في سيارة العائلة، بعد نشر الرواية. أو أن يظهر بكل سرور على غلاف "التايم" في عام 1969 ، ومجلة "نيوزويك" في عام 1962. ولم يكن مفاجئاً قيامه بتصحيح كتاب كارل بروفير "مفاتيح إلى لوليتا" أو مراجعة السيرة التي أعدها اندرو فيلد عنه، قائلا أن حياته تشبه "ببلوغرافيا لا سيرة" و أن أفضل جزء من السيرة الذاتية للكاتب ليس "سجل مغامراته ولكن قصة أسلوبه". ولا تحكمه التام في نشر قصصه القصيرة، إذ جمعها وفقا "للموضوع، الفترة ، الشعور العام ، التماثل ، والتنوع"، ولا أنه ترجم رواياته الأولى الروسية، مثل اليأس ودفاع لوزين ، فضلا عن السيرة الذاتية التي أصبحت تعرف باسم (تكلمي أيتها الذاكرة) ، إلى اللغة الإنكليزية بنفسه، مضيفاً تعديلات جوهرية ومقدمات للنصوص. ولا العكس، قيامه بترجمة أعماله الانجليزية، مثل أدلة قاطعة ولوليتا، إلى اللغة الروسية. ولا أنه أدار وكتب كل مقابلاته بنفسه. 

على الرغم من أن نابوكوف واحدٌ من كثر مارسوا المقابلة الذاتية، وهو التقليد الذي يضم أوسكار وايلد، جيمس باري، ايفلين وو، نورمان ميلر، ترومان كابوت، غور فيدال، غلين غولد، ميلان كونديرا، وفيليب روث، إلا أنه كان الكاتب الوحيد الذي أجرى دائماً مقابلاته بنفسه. وبحسب علمي فإن نابكوف لم يجر مقابلة على الإطلاق دون الحصول على الأسئلة والإجابة عليها مسبقاً. حتى عندما ظهر مع ليونيل تريلينغ في مقابلة "حية" مسجلة في برنامج يسمى "كلوز أب" في 1958 لمناقشة الجدل الدائر حول لوليتا لهيئة الإذاعة الكندية ، فإن نابوكوف قرأ اجاباته على شاشة التلفزيون، من بطاقات الملاحظات. في غرفة أعدت لتبدو وكأنها مكتب الكاتب ولكنها في الحقيقة مجرد استوديو في قاعة راديو سيتي ميوزك ، نابوكوف لم يكلف نفسه حتى عناء التظاهر بأن المقابلة "حقيقية". ومثل محاضراته في جامعة كورنيل، التي كان يستقيها من الملاحظات المعدة مسبقاً، مقابلاته لم تكن فقط أداءً - كل مقابلة هي أداء- كانت نصوصاً. 

مقابلة نابوكوف مع باريس ريفيو ليست استثناء. بعد أن أرسل أسئلته مسبقا، وصل المُحاور هربرت قولد لإجراء المقابلة في مونترو بالاس، وهو فندق في سويسرا، ليجد نابوكوف في انتظاره. في مقدمته، كتب قولد أن نابوكوف سلمه مظروفا يحتوي على المقابلة النهائية. وفقا لبراين بويد كاتب سيرة نابوكوف، فإن نابوكوف قال: "هاك مقابلتك، تستطيع الذهاب الآن." كان نابوكوف قد كتب المقابلة بنفسه. وفيها يغطي المواضيع المعتادة – حياته كجامع حشرات مجنحة، حياته في المنفى، وما إلى ذلك، ولكن معرفة أنها محاورة نابوكوف لنابكوف يعطيها سحراً خاصاً. في خضم المقابلة يقول 'المُحاور': "كما تعلم ، لستَ مضطراً للإجابة على جميع أسئلتي الشبيهة بأسئلة كنبوت". في اشارة إلى كنبوت ، شخصية الراوي في رواية نابوكوف "نار شاحبة"، وهو أكاديمي مهووس بالكاتب جون شيد. ويرد نابوكوف على هذه الملاحظة بقوله: "لن يجدي أن نبدأ بتخطي الأسئلة الصعبة، دعنا نواصل." المقابلة غنية في حد ذاتها. انه يصنف دون كيشوت باعتباره "كتاب قاسي وفجّ" ويتحدث عن الطريقة التي فشل فيها فيلم ستانلي كوبريك المقتبس عن لوليتا ، والذي كتب له نابوكوف السيناريو ، فشل في الصعود إلى مستوى "توجهاته وأحلامه"؛ يناقش أخطاءه السرية ككاتب مثل "غياب المفردات الطبيعية"، ينزل وظيفة المحرر إلى أن يكون منقح نصوص، وينفي فكرة أي.ام.فوستر أن شخصياته تفر أحياناً بعيدا عنه كما كليشيهات استنفذت معناها، ويدلي ببيانه الشهير الذي يعتبر فيه نفسه "أمريكي بقدر ما هو شهر أبريل في أريزونا أمريكي". ولكن عندما يسرد العديد من أسماء الكتاب الراسخين الذين لم يعنوا له شيئاً - بريخت، وجويس وفولكنر، كامو، ولورنس - ويشير الى عزرا باوند بأنه "مزيف تماماً"، فإن علينا أن نتوقف ونتساءل ماذا كان يعني بالضبط. وعندما يقول "لوليتا مشهورة، وليس أنا. فأنا مجهول، مجهول على نحو مضاعف، روائي بإسم غير قابل للنطق." إنه ليس تواضعاً زائفاً، فهو يضفي أهمية على النص ويجعل نفسه شبحا. عندما طُلب منه الرد على ناقد قال بأن شخصياته تتضاءل لتصبح مجرد شيفرة. أجاب نابوكوف "كيف يمكن لي أن أقلص إلى مستوى الشيفرة، وما إلى ذلك، شخصية قمت باختراعها بنفسي؟ يمكن للمرء أن 'يقلص' كائن ولكن ليس طيفاً. " مثل شخصياته، نابوكوف يجعل نفسه شبحاً بسرور. 

ولكن لم تكن كل المجلات على استعداد للاعتراف بأن المقابلة المنشورة مع الشبح نابوكوف لم تقع أبداً بالفعل. في مقدمة لمقابلة بلاي بوي معه ، يصف المحاور "أسبوعاً من المحادثات المتواصلة" التي "أجريت" في مكتب نابوكوف. ولكن مثل هربرت قولد فإن المحاور لم يمض في الواقع أكثر من بضع دقائق في حضور نابوكوف. بعث اسئلته مكتوبة لنابوكوف عن طريق احد العاملين في الفندق ورد عليها نابوكوف كتابياً. كانت تلك كما اعترف المحاور لاحقا، المقابلة غير الشفوية الوحيدة التي أجرتها "بلاي بوي" على الاطلاق. ومع ذلك تشير المقدمة إلى أن "نابوكوف تصدى لأسئلتنا بخليط من سمات المكر والصراحة والسخرية وخفة الظل والبلاغة المراوغة ". وتواصل المقدمة لتصف الطريقة التي يتلكم بها نابوكوف "بروح الدعابة والود المهذب" ، وتخلص إلى أن "رواياته التي بحث فيها الكثير من النقاد عبثا سعياً لكشف سيرته الذاتية، تخفي أكثر مما تكشف هذا الرجل، ويبدو أنه يفضلها بهذا الشكل. ولكننا نعتقد أن حوارنا معه، المنشور في كانون الثاني 1964 ، يقدم لمحة رائعة من هذه العبقرية متعددة المستويات." ما يضفي بعدا أكثر إلى هذا أن نابوكوف قد سُرّ بالمقابلة والمقدمة، لدرجة أنه بدأ نشر القصة القصيرة في المجلة ، فضلا عن مقتطفات من روايته آدا. 

في (تكلمي أيتها الذاكرة) ، يوضح نابوكوف أن اهتمامه بالحشرات المجنحة له علاقة 'بأسرار المحاكاة' :"ظواهرها تكشف كمالاً فنياً يترافق عادة مع الأشياء التي طوّعها الإنسان. اكتشفت في الطبيعة المسرات غير النفعية التي سعيت وراءها في الفن. كلاهما كان نمطاً من السحر. كلاهماً كان لعبة من الفتنة والخداع المركبين". 



Sunday, 3 July 2011

أروندهاتي روي: "يحاولون إبقائي مزعزعة. كل من يتحدث بشيء يصبح في خطر."





الروائية الحائزة على جائزة البوكر تتحدث عن نشاطها السياسي في الهند، ولماذا لم تعد تدين المقاومة العنيفة -- ولماذا لا يهم إذا لم تكتب أبدا روايتها الثانية.

بواسطة – ستيفن موس
5 يونيو 2011 - الغارديان

هذه ليست بداية مثالية؛ إذ ارتطمت بأروندهاتي روي فيما كان كلانا متوجها إلى الحمام في بهو المبنى الكبير الذي يضم مكاتب ناشر كتبها (بنجوين). هناك بعض الكتّاب، نايبول على سبيل المثال، الذين يمكن أن يكون معهم هذا الحادث محرجا. ولكن لم يكن كذلك مع روي، التي هوّنت علي في الحال. بعد بضع دقائق، رتب لنا ناشرها الجلوس في غرفة صغيرة وجرداء. وفيما كنا نتخذ أماكننا على جانبي طاولة ضيقة، شبّهتُها بجناح الاستجواب، لكن روي قالت أن غرف الاستجواب في الهند أقل صحية بكثير من هذه الغرفة.

روي، التي تبلغ الخمسين من العمر هذا العام، عُرفت بروايتها الفائزة بجائزة البوكر في عام 1997 "إله الأشياء الصغيرة"، ولكنها على مدى العقد الماضي ظهرت بشكل متزايد كناقدة حادة للدولة الهندية، مهاجمة لسياستها تجاه كشمير، وتدمير البيئة الناجم عن التطور السريع، وبرنامج التسلح النووي للبلاد، والفساد. و كمعارض بارز لكل ما له صلة مع العولمة، تسعى روي إلى بناء "الحداثة الجديدة" على أساس الاستدامة، والدفاع عن الطرق التقليدية للحياة.

كتابها الجديد (جمهورية مكسورة) يجمع بين ضفتيه ثلاث مقالات حول جماعات المتمردين الماويين في غابات وسط الهند التي تقاوم محاولات الحكومة لتطوير وتنقيب الأراضي التي يعيش فيها سكان القبائل. المقال الأوسط "المشي مع الرفاق" ، هو قطعة رائعة من الريبورتاج، تسرد فيه سيرة الأسابيع الثلاثة التي أمضتها مع المتمردين في الغابات. أخبرها برأيي، أنها لابد قد كانت في خطر شخصي كبير.
"الجميع في خطر كبير هناك ، لذلك لا يمكنك الالتفاف بالشعور أنك أنت تحديداً في خطر" تقول بصوتها المبهج عالي النبرة. وعلى أية حال، تضيف، فإن عنف الرصاص والتعذيب لا يفوق في شيء عنف الجوع وسوء التغذية للمستضعفين الذين يشعرون أنهم تحت الحصار.

الوقت الذي أمضته مع المتمردين ترك لديها انطباعا عميقا. تصف الليالي التي قضتها نائمة على أرض الغابة في "فندق آلاف النجوم"، وتشيد "بضراوة وكبرياء هؤلاء الناس الفقراء في القتال للدفاع عن أنفسهم"، وتقول "وجودي في الغابة جعلني أشعر أن هناك مساحة كافية في جسدي لجميع أعضائي". إنها تكره الهند الحديثة، الجذابة، الشركاتية، المهووسة بالنمو، وهناك في الغابة وجدت سلاماً وجيزاً.

هناك غضب شديد في الكتاب، أقول لها، موضحاً أنها لو خففته فستجد جمهوراً أكثر استعداداً للإصغاء. " الغضب قياسي "، تصرّ. أنه أقل مما أشعر به فعلا." لكن رغم كل ذلك، فإن منتقديها يدعونها "حادة"، وترد على هذا بقولها "كلمة (حاد) محجوزة لوصف أي تعبير عن الشعور، أما بالنسبة للمؤسسات فيمكنها أن تكون حادة بقدر ما تشاء في موضوع إبادتها للناس."

هل انخراطها في النشاط السياسي مستمد من والدتها، ماري روي، التي أنشأت مدرسة في ولاية كيرالا، ولها شهرة باعتبارها ناشطة لأجل حقوق المرأة؟ " إنها ليست ناشطة"، ترد روي "أنا لا أعرف لماذا يستمر الناس في قولهم ذلك. أن والدتي مثل شخصية فرّت من طاقم أحد أفلام فيليني ". تضحك على وصفها. "إنها نشاط كون كامل خاص بها. النشطاء سيركضون ميلاً بعيداً عنها لأنهم لا يستطيعون التعامل مع ما هي عليه."

أريد أن أتحدث أكثر عن ماري روي -- وفي نهاية المطاف نفعل ذلك -- ولكن هناك نقطة إضافية مهمة ينبغي توضيحها أولاً. المتمردون استخدموا العنف، غالباً ضد الشرطة والجيش، ولكن في بعض الأحيان تسببوا في إصابة ووفاة مدنيين حوصروا في مرمى النيران. فهل تدين هذا العنف؟ "لم أعد أدينه" تقول. "إذا كنتَ من أديفازي (قبيلة هندية) تعيش في الغابات وثمة 800 رجل من قوة الشرطة الاحتياطية المركزية يأتون ويحيطون بقريتك ويبدأون بحرقها، ما الذي يفترض أن تفعله؟ هل من المفترض أن تُضرب عن الطعام؟ هل يمكن للجائع أن يبدأ إضراباً عن الطعام؟ اللاعنف هو قطعة من المسرح. أنت بحاجة إلى جمهور. ماذا يمكنك أن تفعل عندما لا يكون لديك أيّ جمهور؟ الناس لديها الحق في مقاومة الإبادة."

يعتبرها منتقدوها متعاطفة مع الماويين. فهل هي كذلك؟ "أنا متعاطفة مع الماويين" ، تجيب. "أنا لست منظّرة للماوية، وذلك لأن الحركات الشيوعية عبر التاريخ لا تقل تدميرا عن الرأسمالية ، ولكن الآن ، وبينما يستمر الاعتداء، أشعر وبشكل أكبر أن الماويين هم جزء من المقاومة التي أساند".

تتحدث روي عن المقاومة بصفتها "تمرد" ، وتصور الهند كما لو أنها على وشك أن تشهد ثورة على الطراز الصيني أو الروسي. فكيف حدث أننا في الغرب لا نسمع عن هذه الحروب الصغيرة؟ "لقد تم إخباري بصراحة تامة من قبل العديد من مراسلي الوكالات الدولية" تقول ، "أن لديهم تعليمات --'يجب ألا تنشر أخبار سلبية من الهند'-- لأنها وجهة استثمارية وهكذا فأنت لا تسمع عنه ولكن هناك تمرد ، وليس مجرد تمرد الماويين. بل أن الناس في كل مكان من البلاد يقاتلون". أجد فكرة وجود وصاية على الأخبار، - أو أن صحفياً يحترم نفسه سيقبل ذلك – سخيفة. ربما تكون التغطيات الأجنبية عن الهند متخاذلة أو قاصرة النظر ، ولكن لا اعتقد أنها فاسدة.

أقول لها أنها تبدو مثل عضو في طائفة دينية، كما لو أنها أبصرت النور. فتقول "إنها طريقة في الحياة، وطريقة في التفكير" ، وتضيف دون شعور بالضغينة . "أعرف أشخاصاً في الهند ، وحتى من بين الشباب المتحضرين، يفهمون أن هنالك شيء حي هنا". فلماذا لا تتخلى عن المنزل الفخم في دلهي والظهور الإعلامي ، وتعود إلى الغابة؟ "سأكون أكثر من سعيدة إذا اضطررت إلى ذلك ، ولكني سأصير عبئاً عليهم هناك في الغابة. المعارك يجب أن تُخاض بطرق مختلفة ، والجانب العسكري ليس سوى جزء واحد منها، ما أقوم به هو جزء آخر من المعركة ".

أشكك في أحكامها المطلقة ، ورؤيتها المانوية للعالم، لكنني معجب بشجاعتها. لقد رُشق منزلها بالحجارة ، وتمت مقاطعة حفل تدشين كتابها (جمهورية مكسورة) من قبل متظاهرين موالين للحكومة اقتحموا المنصة ، وربما يتم توجيه تهم رسمية لها بإثارة الفتنة لقولها أنه ينبغي إعطاء الكشميريين حق تقرير المصير. "إنهم يحاولون إبقائي مزعزعة" تقول. هل تشعر بأنها مهددة؟ "كل من يتحدث بأي شيء هو في خطر. هناك المئات من الناس في السجن".

شبهت روي الفرق بين كتابة الخيال والمناظرات بالفرق بين الرقص والمشي. ألا تريد الرقص مرة أخرى؟ "بالطبع أريد." هل تعمل على رواية جديدة؟ "لقد كنت أعمل عليها" ، وتضيف ضاحكة "لكنني لا أحصل على الكثير من الوقت للقيام بذلك." هل يشغلها أن تأخذ الرواية التالية لإله الأشياء الصغيرة وقتا طويلا للظهور؟ "بدرجة كبيرة أنا شخص غير طموح" وتضيف "ماذا يهم إذا كان أو لم يكن هناك رواية؟ أنا لا أنظر إلى الأمر على هذا النحو حقاً. بالنسبة لي، لا شيء استحق التنازل عن خوض الغابات".

من الصعب الحكم ما إذا كان سيكون هناك رواية ثانية. لقد رسمت رواية إله الأشياء الصغيرة كثيرا من تفاصيل حياتها- والدتها ذات الشخصية المليئة بالكاريزما ولكن المتغطرسة؛ الأب مزارع الشاي المخمور الذي تركته والدتها عندما كانت روي صغيرة جدا؛ مغادرتها للمنزل وهي في أواخر سن المراهقة – ان من الممكن أن يكون ذلك كتابها الوحيد، كُتب بقدر ما عاشت. ترد بإجابات غامضة حول ما إذا كانت تتوقع أن تظهر الرواية الثانية. من ناحية، تقول، فهي مشغولة بحركة المقاومة، وأنها تسيطر على أفكارها. ولكنها تواصل تقريبا في النفس ذاته، لتقول أن آخرين قد "التقطوا العصا" وأنها ترغب في العودة إلى الخيال ، وإلى الرقص مرة أخرى.

ما هو مؤكد هو أن القليل من الرواية الثانية قد تم كتابته حتى الآن. وهي تفضل ألا تخبرني عن موضوعها. بل تقول أنه لن يكون من الممكن تحديد هذا الموضوع "ليس لدي موضوعات. ليس الأمر كما لو أنني أحاول كتابة رواية مناهضون لبناء السد. الخيال أجمل من أن يكون محصوراً في شيء واحد. وينبغي أن يكون عن كل شيء". هل تعاني من إقفال مخيلتها بسبب الضغط الناجم عن ضرورة أن تلحق رواية ثانية بالرواية التي فازت بالبوكر؟ "لسنا أطفالاً يتنافسون ليحظوا بالمرتبة الأولى في الصف ويفوزوا بالجوائز. بل أنها البهجة الناتجة عن الكتابة. لا أعرف ما إذا كان سيكون كتاباً جيداً ولكني أتساءل كيف وماذا سأكتب بعد هذه الرحلات التي خضتها. "

هل يشعر وكيل أعمالها وناشرها بخيبة أمل لاستمرارهما في انتظار الرواية الثانية؟ "لقد عرفا دائماً أنه لن يكون هناك مصنع لإنتاج الروايات"، تقول. "لقد كنت واضحة جدا بذلك الشأن، فأنا لا أرى المغزى من هذا. لقد أنجزت شيئا. واستمتعت بإنجازه وأنا الآن اٌقوم بشيء آخر ، أنا أعيش بكل ما تصل إليه أصابعي وأستخدم كل ما لدي. انه من المستحيل بالنسبة لي أن أنظر إلى الأمور بطريقة سياسية أو بأي شكل من الأشكال كمشروع، لمواصلة مسيرتي المهنية. يتم حقنك مباشرة في دم الأماكن التي تعيش فيها وفي كل ما يحدث هناك."

انها ليست بحاجة مالية لكتابة رواية أخرى. فرواية إله الأشياء الصغيرة، التي باعت أكثر من 6 ملايين نسخة في جميع أنحاء العالم ، قد أمنت لها معيشتها لمدى الحياة. وذلك بالرغم من أنها قد تبرعت بقدر كبير من المال. بل أنها رفضت عروضا لبيع حقوق تحويل الرواية إلى فيلم، لأنها لا تريد أحدا أن يقوم بتفسير كتابها على الشاشة. "كل قارئ لديه رؤية في رأسه" تقول، "وأنا لا أريد لها أن تصبح فيلماً واحداً." هي قوية الإرادة. وقبل سنوات، في العام 1996 ، وبينما كان يجري إعداد إله الأشياء الصغيرة للنشر أصرت على أن يكون لها القول الفصل في غلاف الرواية لأنها لم ترد صورة غلاف من النمور والسيدات لابسات الساري (الزي الهندي). إنها ابنة والدتها التي لا تقهر.

أُصرّ على أن تخبرني المزيد عن أمها " الشخصية الفارّة من أفلام فيليني". تقول روي ، أنها مثل الإمبراطورة. لديها عدد من الأزرار بجانب سريرها، وعند الضغط عليها، تنبعث نداءات الطيور المختلفة. كل نداء يشير إلى واحد من حاشيتها بما تطلبه. هل كانت محورا لحياة ابنتها؟ "لا ، لقد كانت محورا للكثير من الصراعات في حياتي . إنها إمرأة غير عادية ، وعندما نكون معا أشعر أننا دولتان مسلحتان نوويا." تضحك بصوت عال. "علينا أن نكون حذرين بعض الشيء."

لنزع فتيل التوترات العائلية، غادرت روي البيت عندما كان عمرها ستة عشر عاماً لدراسة الهندسة المعمارية في دلهي -- حتى في ذلك الحين أرادت بناء عالم جديد. تزوجت من زميل لها في سن السابعة عشرة   "كان رجلا لطيفا جدا، لكنني لم آخذ الأمر على محمل الجد" . في عام 1984 التقت وتزوجت المخرج السينمائي براديب كريشن، وساعدته في تنشئة ابنتيه من زواج سابق. يعيشان الآن منفصلين ، على الرغم من أنها لا تزال تشير إليه باسم "حبيبي" . فلماذا الإنفصال؟ "حياتي شديدة الجنون. هنالك الكثير من الضغوطات والحساسيات، وأنا ليس لدي أي نظام، و ليس لدي أي شخص للتوسط بيني وبين العالم. أن الأمر يستند فقط على الغريزة." أعتقد أن ما تقوله هو أن الحرية أهم بالنسبة لها من أي شيء آخر.

اختارت عدم إنجاب الأطفال لأن ذلك سينعكس سلباً على تلك الحرية. "لفترة طويلة لم يكن لدي الوسائل لإعالتهم" تضيف "وعندما توفرّت لي شعرت بأني لا يعتمد عليّ. هناك الكثير من النساء في الهند يخضن هذه المعارك وليس لديهن أطفال ، لأن أي شيء يمكن أن يحدث، عليك أن تكون خفيفا على قدميك وخفيفا في رأسك، وأنا أحب أن أكون جمهورية متنقلة ".

وصفت روي في الماضي نفسها بأنها "نسوية بالمولد" ماذا كانت تعني بذلك؟ "بسبب والدتي والطريقة التي نشأت بها من دون أب يرعاني، تتعلم في وقت مبكر أن القاعدة الأولى هي أن ترعى نفسك. معظم ما يمكنني القيام به وقوله الآن يأتي من كوني أصبحت مستقلة في سن مبكرة ". وُلدت والدتها في مجتمع ثري ومسيحي محافظ في ولاية كيرالا، ولكنها وضعت نفسها خارج حظيرته حين تزوجت رانجيت روي وهو هندوسي من البنغال الغربية. عندما عادت إلى منزلها بعد حصولها على الطلاق كان لديها القليل من المال وبالتالي نالها تهميش مضاعف. لكن أمها انتصرت في النهاية على كل هذه العقبات وحققت نجاحاً بفضل المدرسة التي أسستها. برغم ذلك فإن نشأتها كشخص خارج عن الجماعة ترك بصماته على ابنتها.

تقول روي أنها كانت دائما انفعالية ، وتشير إلى جدالها مع المخرج شيخار كابور في منتصف التسعينات حول فيلمه "ملكة اللصوص" -- تساءلت عما إذا كان لديه الحق في تصوير اغتصاب امرأة لا تزال حية على الشاشة من دون موافقتها. ربما تكون الرواية هي الاستثناء في حياة من الإثارة ، عوضا عن أن تكون الإثارة حدثاً شاذاً في حياة من كتابة المتخيل. ولكن هل ضحت بالكثير من أجل النضال – فسحة الرقص، والأطفال، وربما حتى زواجها الثاني؟ "لا أرى أي من هذه الأشياء على أنها تضحيات" وتضيف "انها خيارات إيجابية. أشعر أنني محاطة بالحب، من خلال الإثارة. لا يجري القيام بهذه الأشياء على طريقة الشهداء، فعندما كنت أسير في الغابة مع الرفاق، كنا نضحك طوال الوقت."