Monday, 31 October 2011

نافذة

أعرف شعور نافذة، تصطدم بها من احدى الجهات حبات المطر، وتبقى الجهة الأخرى جافة، تضغط حبات الماء عليها ولا تعبر.

Sunday, 30 October 2011

البكاء لأجل آنّـا كارنينا




في عام 1860، وبينما كان (ألكسندر دوماس بير) على وشك الإبحار عبر البحر الأبيض المتوسط للحاق بحملة غاريبالدي إلى صقلية، توقف في مرسيليا، وزار (شاتو إذا ديفوار) حيث سُجن بطله، أدمون دانتيس لمدة أربعة عشر عاماً، قبل أن يصبح الكونت دي مونت كريستو، وحيث تعلم على يد زميله في الزنزانة القس فاريا. في زيارته تلك، اكتشف دوماس أن الزوار يتم إطلاعهم بإنتظام على ما يُسمى بالزنزانة "الحقيقية" لمونت كريستو، وأن المرشدين السياحيين يتحدثون باستمرار عن دانتيس وفاريا وسائر شخصيات الرواية كما لو أنها وُجدت حقاً.  في المقابل، فإن المرشدين ذاتهم لم يذكروا أبدا أن (شاتو إذا ديفوار) ضمّ بعض الشخصيات التاريخية الهامة كسجناء مثل أونوريه ميرابو.

وهكذا، علّق دوماس في مذكراته : "إنه شرفٌ للروائيين أن يخلقوا شخصيات تقتل تلك التي خلقها المؤرخون. السبب هو أن المؤرخين يستحضرون أشباح مجردة، في حين أن الروائيين يخلقون أناساً من لحم ودم."

ذات مرة حثني صديق لي على تنظيم ندوة حول هذا الموضوع: إذا كنا نعرف أن آنا كارنينا هي شخصية خيالية غير موجودة في العالم الواقعي، لماذا نبكي على محنتها؟ أو على أية حال لماذا تؤثر فينا مصائبها بعمق؟

على الأرجح فإن هناك العديد من القرّاء رفيعي التعليم من الذين لا يذرفون الدموع على قدر سكارليت أوهارا ولكنهم مع ذلك ارتاعوا لقدر آنا كارنينا. علاوة على ذلك، لقد رأيت مفكرين رفيعي الثقافة يبكون علنا في نهاية سيرانو دي برجراك ، وهذه حقيقة ينبغي ألا تدهش أحداً، لأنه عندما تهدف استراتيجية دراماتيكية الى جعل الجمهور يذرف الدموع، فإنها تجعلهم يبكون بغض النظر عن مستواهم الثقافي. هذه ليست مسألة جمالية: الأعمال العظيمة في الفن قد لا تثير ردود فعل عاطفية، في حين أن الكثير من الأفلام السيئة والروايات الرخيصة تنجح في ذلك. ودعونا نتذكر أن مدام بوفاري، الشخصية التي بكى لأجلها الكثير من القراء، كانت معتادة على البكاء على قصص الحب التي تقرأها.

قلت لصديقي جازما أن هذه الظاهرة ليس لها صلة وجودية ولا منطقية، ويمكنها أن تكون ذات أهمية لعلماء النفس فقط. يمكن أن نتماثل مع شخصيات خيالية وأفعالهم لأنه، وفقا لاتفاقية السرد، نحن نبدأ العيش في العالم المحتمل لقصتهم كما لو كان عالمنا الحقيقي. ولكن هذا لا يحدث عندما نقرأ الرواية فقط.

الكثيرون منا فكروا في بعض الأحيان في احتمال وفاة أحد أحبائهم، وتأثروا بعمق، إن لم يذرفوا الدموع، برغم أننا نعرف أن تلك الفكرة مجرد خيال وليست واقعاً. هذه الظواهر للتطابق والإسقاط طبيعية تماما و (أكرر) هي مسألة لعلماء النفس.  إذا كان هناك أوهام بصرية، كأن نرى شكل معين على أنه أكبر من غيره على الرغم من أننا نعرف أنها جميعاً لها الحجم ذاته، فلماذا لا تكون هناك أوهام عاطفية كذلك؟

حاولت أيضاً أن أبين لصديقي أن قدرة شخصية خيالية على جعل الناس يبكون، لا تعتمد فقط على صفاتها، ولكن على العادات الثقافية للقراء، أو على العلاقة بين توقعاتهم الثقافية واستراتيجية السرد.  في منتصف القرن التاسع عشر بكى الناس، أو حتى أجهشوا بالبكاء، على قدر فلور دي ماري في رواية أوجين سو ، بينما اليوم فإن مصائب الفتاة الفقيرة تتركنا – يا للسخرية- غير متأثرين. في المقابل، منذ عقود مضت تأثر الكثير من الناس بقدر جيني في (قصة حب) لإريك سيغال ، سواء في الرواية والفيلم .

في نهاية المطاف ، أدركت أني لا أستطيع استبعاد المسألة برمتها بسهولة. كان علي أن أعترف بأن هناك فرقا بين البكاء على وفاة متخيلة لأحد الأحباء، والبكاء على وفاة آنا كارنينا. صحيح أنه في كلتا الحالتين فإننا نأخذ ما يحدث في عالم محتمل على أنه أمر مفروغ منه: عالم خيالنا الشخصي في الحالة الأولى، وعالم صممه تولستوي في الحالة الثانية. ولكن اذا ما سؤلنا في وقت لاحق عما إذا كان هذا الشخص الحبيب قد قضى نحبه حقاً، فإننا نستطيع أن نقول بارتياح كبير أن هذا ليس صحيحاً، ذات الإرتياح الذي ينتابنا عندما نستيقظ من كابوس. بينما إذا ما سؤلنا ما إذا كانت آنا كارنينا قد ماتت، يجب علينا أن نجيب دائما بنعم، إذ أن واقع انتحار آنا صحيح، في كل العوالم المحتملة. 

وعلاوة على ذلك، حين يتعلق الأمر بالحب الرومانسي، نعاني عندما نتخيل أن يهجرنا المحبوب، ويندفع بعض من عانوا الهجر بالفعل إلى الإنتحار. ولكننا لا نعاني كثيرا إذا تعرض أصدقائنا للهجر من أحبائهم. نتعاطف معهم بلا شك، ولكن لم يسبق لي أن سمعت أن أحداً أقدم على الإنتحار لأن أحد أصدقائه تعرض للهجر. وهكذا يبدو غريبا أنه، عندما نشر غوته روايته (آلام الشاب فرتر)، التي ينتحر فيها الشاب فرتر نتيجة لقصة حبه الفاشلة، فإن العديد من القراء الرومانسيين انتحروا أيضاً. حملت هذه الظاهرة  اسم "تأثير فرتر." ماذا يعني ذلك، عندما ينزعج الناس قليلاً فقط لموت ملايين البشر الحقيقيين جوعاً – بما في ذلك العديد من الأطفال – لكنهم يشعرون بالأسى الشديد لوفاة آنا كارنينا؟ ماذا يعني ذلك، عندما نشارك شخصاً حزنه حتى ونحن  نعرف أن هذا الشخص ليس موجودا أبداً؟

Weeping for Anna Karenina



Sunday, 23 October 2011

العدالة الشخصية


غالبا ما تنتهي القصص الحزينة لارتطام الطائرات وتحطمها بصور العائلات المفجوعة، ثم أخبار عن تحقيق سريع جدا لأنك تريد حسم المسألة، ثم لوم الطيار الذي مات ضمن من ماتوا، وغالبا ما لا يتم تسميته ضحية بل الجاني، كما أثبت الصندوق الاسود، وإلا فلماذا هناك صندوق أسود.

لكن في هذه القصة بالذات كان هناك متورط آخر وهكذا لم يتم اغلاق الملف بسهولة. تم جر موظف برج المراقبة الى المحكمة. ليس أنه قاتل بالفطرة، وهو لا يستلذ بقتل الاطفال (أكثر من خمسين طفلا كانوا الضحايا الرئيسيين للحادثة) لكنه حاول قدر جهده وبالمعلومات المتاحة له أن ينقذ طائرتهم من ارتطام وشيك، ولم يكن يعرف انه يلعب ضد كومبيوتر يقدم للاعب الخصم/الطائرة الأخرى في الحادث/ التوجيهات ذاتها وهكذا انتهت الطائرتان الى عناق جوي قاتل.

المحكمة فهمت موقفه، ومنحته البراءة.

لكن والداً مفجوعاً بطفلين وأمهم، عائلته كلها، كانوا على متن الطائرة لم يفهم. وهكذا، بعد عامين من الحادثة، لم يجد مفراً من تشكيل جسد المراقب الجوي بعدة طعنات قاتلة.

حين قرأت الخبر شعرت بصدمة. لأني افترضت، في محكمتي الشخصية براءة المراقب من ذنب حادثة الطيران. ولم يعد ممكنا لي ان اقبل بعقابه بالقتل.

ولأفهم، حاولت ولا أزال تخيل حالة الفجيعة، أو طاقة الألم التي حملت الأب كل المسافة، ليس من روسيا الى ألمانيا فقط ، حيث يقطن المراقب، بل من كونه الانسان الأب الى الانسان القاتل، تلك الطاقة التي أحدثت فيه التحول الكافي ليستعمل السكاكين التي نقطع بها التفاح ليقطع بها جسد انسان وينهي حياته.

لكن الحقيقة هي أني لا أنسى هذه القصة التي قرأتها قبل خمس سنوات، لم أعد أشعر بالصدمة ذاتها، إذ أستمر في محاولة التخمين، أحيانا بدرجة من الإستعجال، كم بالضبط تستغرق تلك الرحلة/التحول قبل أن يصل المرء إلى نقطة التجرد من أخلاقه لصالح التخلص من ألمه، وتحقيق عدالته الشخصية.

Thursday, 20 October 2011

السلمانية

في السابعة من العمر قُبض عليّ للمرة الأولى، على السلالم بين الطابق الثاني والثالث، بعد مطاردة محمومة من الحارس المسعور، لم يدركني لكني استسلمت، شدني من العباءة السوداء، وعرفت وقتها انها لا تناسبني قطعاً، لكن الرعب الذي يبعثه صوته جعلني لا أطيل التفكير، فقد أيقنت أنها النهاية.

حدث ذلك قبل عشرين عاماً، في مجمع السلمانية الطبي، بينما كنت أحاول اقتراف زيارة غير قانونية لرؤية أخي الصغير.

Wednesday, 5 October 2011

أغاني فرناندو بيسوا في سهول أفريقيا



آخر.  أن أكون دائماً آخر
أن أسافر. أن أفقد بلداناً.
أن أعيش نظراً متواصلاً.
والروح بلا جذور.




أن أسير جنباً إلى جنب مع ذاتي
متخلصاً من كل انتماء.
مع قلق الظفر
بالغياب الذي هو مواصلة مستمرة.




أن أسافر هكذا. يا له من سفر!
في أفكاري وحدها
يسافر تفكيري.
ما تبقّى. سماءُ وأرض.




لو قُدّر لي، ولو لم أكن أحداً
أن أملك على صفحة وجهي، ذلك الصفاء العابر
الذي تملكه تلك الأشجار
لكان لي إذن ذلك الفرح
الذي تملكه الأشياء في الظاهر.




روحي تبحث عني،
 في السهول والجبال،
ليتها لا تعثر أبداً عليّ.




هنالك في الجانب الآخر
يوجد كل شيء، ما لا وجود له، ولا فكرة لي عنه
وكل غصن متمايل، 
يجعل السماء أكثر شسوعاً.




بين ما أنا عليه وبين أناي
مضجعاً، ثمة خلط.
لا أحس بشيء، ولست حزيناً
الحزن هو هذا الذي أنا فيه.




فوق القمح المتوهج
شمس عاطلة تستريح
بدون تفاهم مع ذاتي
مخدوعاً أمضي على الدوام.




لو في إمكاني ألا أعرف البتة
عني أي شيء
لكنت نسيت نسياني هذا لذاتي.