Thursday, 17 December 2009

وهذه هي المنامة

17 ديسمبر، عشية رأس السنة الهجرية، عيد الشهداء، وعيد جلوس الملك.

تتوشح الأحياء بالسواد لإستقبال ليلة الحادي من محرم. تسخن السماعات ويرتقي الخطباء المنابر لينقلوا إلينا بأشجى الأصوات رسالة طويلة من شهيد أزلي يرفض أن يموت. هنا في الحي المستتر في عمق المدينة يتوشح الحزن قلوب المحبين للذكرى الأكثر اهمية في تقاويمهم السنوية، ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام. الآلاف في كل أنحاء البحرين ستعلن الحداد لعشرة أيام قادمة، ويقيمون مجالس النعي والرثاء صباحاً ومساءً، ويعرضون عن كل حفلة بهيجة، فالوقت الآن لحزن مقدس وبكاء مضمون الأجر، ومواساة لا تُغلب ليصبوا فيها كل آلامهم ومآسيهم وأحزانهم، حين بجنب مصيبة الحسين تهون كل المصائب.

ومن نافذة غرفتي يجيئني صوت الناعي (ضمني عندك ياجداه في هذا الضريح) مختلطاً بأصوات لقرع الطبول وغناء غير مفهوم وموسيقى بعيدة في مفارقة جارحة وغريبة، لكنها تحدث هنا في المنامة. الطبول لا تقرع في المأتم الذي يموج بأنة طويلة، لكنها ترتفع على بعد كيلومترات قليلة فيما تحمى حلبة رقص أفريقية على كورنيش الملك فيصل، في احتفالات عيد جلوس الملك، يرقص العبيد رقصات أفريقية وهندية وأخرى بلا أصل، في بهجة مدفوعة الأجر ولا يمكن أن تجتمع مع ليلة حزينة كليلة الحادي من محرم، إلا عندما ينعدم الشعور بالعيب. المفارقة شاهقة، في البلد الذي نتعلم فيه كلمة عيب ضمن الكلمات الاولى الذي نتعلمها في أول فهمنا. نتعلم أن من العيب اظهار الفرح حين جارنا في الحزن، ولكن على الكورنيش لا يبدو أن أحداً من القائمين على الاحتفال من البحرينيين أو من أصحاب الجنسيات الغريبة قد سمع باحترام الجيرة عوضاً عن العيب. على التلفاز وفي قناة عراقية، كان الراهب المسيحي يقول ان احتفالات ميلاد المسيح "الكريسمس" في البصرة ستقتصر على اقامة الشعائر داخل الكنسية ولن يتم اقامة احتفالات مبهرجة احتراماً لمناسبة عاشوراء. لكن الذين يحتفلون الآن في الكورنيش بعيد بلاستيكي ليسوا مسيحاً بل مسلمين.

في شوارع أخرى ثمة نوع آخر من الاحتفال. أعمدة دخانية يتم إطلاقها بحرق الحاويات أو الإطارات، لذكرى رصاصتين انفجرتا في السابع عشر من ديسمبر 1994 في جبهتي الشهيدين هاني الوسطي وهاني خميس، فكانتا آخر شي عرفاه في هذا الوجود. قاتلهما لم يزل حراً، ربما يكون مشاركاً في محفل الرقص، هو في جنانه، لا يبالي بشي. أما حراسه فسيذرعون الشوارع طيلة الليل والنهار محاولين إيقاف دم الشهيد الذي لم يتوقف عن النزيف متخذاً أشكال عديدة أبسطها الطفل المقاوم.

وهناك، في قرية بعيدة تدعى المالكية، يتم الآن وفي هذه الليلة بالذات اعادة تصوير حادثة احتراق سيارات، بعد اعتقال سبعة متهمين. لا أحد يعرف متى سيتم اعتقال المتهمين بقتل أكثر من 40 شهيداً سقطوا في الفترة بين 1994 الى يومنا الحاضر ومتى سيتم اعادة تمثيل حوادث قتلهم وفي أي صبح سيتم جلبهم إلى قاعة المحكمة ومحاسبتهم على ما اقترفت أيديهم.

والآن، وفي لمحة كلاسيكية لليلة صاخبة وطويلة وحزينة، تختلط الموسيقى، بصوت النعي، بإنفجار بعيد لإسطوانة غاز.

مأجورين.

لكي ننجو

"لكي ننجو، يجب أن نكتب قصصاً. "
روبارتو دي لاجريف، في رواية (جزيرة اليوم السابق)، لإمبرتو إيكو.

إحتفاء بالصوت الإنساني - Celebration of the human voice



كان خوسيه كاراسكو صحفيا لمجلة Análisis. في وقت مبكر من صباح أحد أيام ربيع 1986 تم اقتياده من منزله. قبل هذا الحدث بساعات قليلة، جرت محاولة لاغتيال الجنرال أوغستو بينوشيه ، وقبل ذلك ببضعة أيام ، صرّح الدكتاتور :
"نبقي عيوننا مفتوحة على بعض السادة."
تحت جدار على حدود سانتياغو ، وضعوا أربعة عشر رصاصات في رأس خوسيه. كان الصباح باكراً ، ولم يكن بالإمكان مشاهدة أحد في الانحاء. بقيت جثته هناك حتى منتصف النهار.
لم يغسل الجيران الدم أبداً. أصبح المكان ملاذا للفقراء ، ودائما مغطى بالشموع والزهور ، وخوسيه كاراسكو أصبح صانعا للمعجزات. على الحائط تم النقش بواسطة الرصاصات عبارات شكر على الصنائع التي قام بتقديمها.
في بداية عام 1988 ، سافرت إلى شيلي. مرت خمسة عشر عاما على آخر زيارة لي. كان في استقبالي في المطار خوان بابلو كارديناس ، رئيس تحرير المجلة.
ولأنه مدان بإرتكابه جرائم ضد الحكومة ، كارديناس ينام في السجن. يدخل السجن في كل ليلة في تمام الساعة العاشرة ، ويغادر مع طلوع الشمس.


إدواردو غاليانو - كتاب المعانقات



Celebration of the human voice / 3

José Carrasco was a journalist for the magazine Análisis. Early one morning in the spring of 1986, he was dragged from his house. A few hours earlier, an attempt had been made on the life of General Augusto Pinochet, and, a few days earlier, the dictator had said:
“We are keeping an eye on certain gentlemen.”
At the foot of a wall on the edge of Santiago, they put fourteen bullets into his head. It was early morning, and nobody was to be seen. His body lay there on the ground until midday.
The neighbors never washed the blood away. The place became a sanctuary for the poor, always covered with candles and flowers, and José Carrasco became a miracle worker. On the wall pitted by the shots, one can read thanks for favors received.
At the beginning of 1988, I traveled to Chile. It had been fifteen years since I was last there. I was received at the airport by Juan Pablo Cárdenas, editor of the magazine.
Condemned for offenses against the government, Cárdenas slept in prison. He entered the prison every night at exactly ten o’clock, and left with the sun.



Eduardo Hughes Galeano - The Book of Embraces