Sunday, 18 September 2011

حجر الصبر


من قرأ الأفغاني خالد حسيني سيقرأ أدب الأفغان مجدداً. وهذا ما قادني إلى حجر الصبر - عتيق رحيمي. حين بحثت عنه أول مرة قرأت الكثير من المقالات عن حجر الصبر، العمل الأدبي الفائز بجائزة الغونكور الفرنسية، والرواية ذات الطابع الرقيق: نزف امرأة أفغانية في حديث لا ينقطع لجسد زوجها الهائم في ما بين الحياة والموت، في غيبوبة. 

اهداء الرواية يثير وقفة، فهي مهداة إلى ن.أ الشاعرة الأفغانية التي قتلها زوجها "بوحشية". (ناديا أنجومان). لكنك الآن ترى هذه المرأة (البلا إسم) سيدة القصة، وقد تخلت عن حياتها لتمسك مسبحتها السوداء وتنخرط في صلوات بلا نهاية من أجل عودة هذا الرجل ( البلا إسم) من غيبوبته. قال لها الملا أنها اذا انتهت من قراءة أسماء الله الحسنى ، التسعة وتسعين ، في تسع وتسعين يوماً، فإن رجلها سيستفيق. ما الذي فعله ليستحق هذا التفاني؟

مسرح القصة مدهش، فجميع أحداثها تدور في غرفة واحدة صغيرة هي الغرفة التي يرقد فيها الجسد الهامد للزوج. الأحداث يتم سردها بناء على ما يجري في الغرفة، أو ما يُرى من نافذتها، أو يُسمع في خارجها ، لكن القصة تكبر وتنمو حقاً دون عناء، ودون حاجة إلى مزيد من أمكنة، يمكن لحياة كاملة أن تُسرد عبر غرفة، بعنكبوتها (ليس من نوعية الأرملة السوداء) ، وذبابتها النزقة، بالأطفال الذين يلعبون في الفناء ، وطلق الرصاص المتبادل في الشوارع المحيطة، والطرقات التي تتعالى على الباب، والأطفال الذين يغافلون أمهم للدخول، هناك الكثير حقاً.

لكن ثيمتها الأساس هي في التحولات التي تطرأ على المرأة منذ كفّت عن الصلوات لتدخل في مصارحة هذيانية مع الرجل الغائب عن هذا العالم. لتنفس عن غضبها من واقعها الذي تعيش، ثم لتنفس عن آلام ماضيها، قسوة والدها، خيبتها في زوجها (هو شخصياً) ، علاقتها بأهل زوجها، مخاوفها من مصير العقيم، هذه المرأة البلا إسم، من خلال بوحها ترسم ما يمكن أن يكون واقع أي إمراة أفغانية. تتحدث له وتتصاعد صراحتها مع الوقت لتبوح له بأعتى أسرارها، فقد أدركت أنه غدا حجر صبرها. 


"لقد طلب من كل صديق يزوره أن يحضر له ذلك الحجر .. حجر ثمين وأسود .. أنت تعرف، ذلك الحجر الذي تضعه أمامك وتخبره بكل مشاكلك ، كل مصاعبك، كل آلامك، كل مصائبك .. الحجر الذي تعترف له بكل شيء في قلبك، وكل ما لا تجرؤ على قوله للآخرين. تتحدث له، وتتحدث له، ويستمع لك الحجر. مستوعباً لكل أسرارك، إلى أن يأتي يوم جميل ، فينفجر. يتناثر إلى قطع صغيرة، وفي ذلك اليوم تكون قد تحررت من كل آلامك، وكل معاناتك. ماذا يُسمى ذلك الحجر؟"

«سينغي سابور» كما تقول الأسطورة الأفغانية أو «حجر الصبر» ، استطاعت هذه المرأة أن تجده في الزوج الغائب، وفي مقاطع لاحقة عرفت أيضاً وجود مادي آخر له، لكنها أيضاً جعلتني أفكر بما يمكنه أن يكون حجر الصبر. وفكرت لوهلة أني أعرفه، أنه ليس أسوداً بالضبط، أنه قد سمع الكثير من البوح، وأنه قد انفجر بالفعل. 


"ضوء النجوم في القفص/ كيف قلبك إذن!/ لا شك في أنه يرفرف بوحشية/ دائما يغني ضد الظلام/ الظلام الذي يعرفه ليشعر أخيراً بلدغة الخدر/ بالموت.. تمر بهدوء هذه الرؤية المختصرة للحياة/ للشخص الذي لا يرى أبداً/ للضوء الخالص./ يمسك قلبك أنينك المسمم/ بمخلب يزدرد كل خوفك/ حتى الآن لم يكن مثلك من باع قراره ولم يقو على الغناء/ لا تكن هادئا/ احتضن قبرك/ قفص المرمر الأبيض/ المساحة الشاحبة الرثة البائسة/ لن أسجن هنا/ كطائر حكيم تحلق كلماتي عالياً/ بحرية تحلق.. تطير وتعيش مرة أخرى!". أنجومان.

ناديا أنجومان

No comments:

Post a Comment