Thursday, 7 July 2011

فلاديمير نابوكوف، وفن المقابلة الذاتية



سارة فاي - باريس ريفيو
2 يوليو 2011

اليوم (الثاني من يوليو)، كما تعلمون، هي الذكرى 34 لوفاة فلاديمير نابوكوف الكاتب الأمريكي روسي الأصل. لن يكون هناك مسيرات حداد، ولكن ستكون هناك وفرة من الكلام، وبصورة رئيسية على شبكة NPR، عن روايته الأكثر شهرة لوليتا أو ميله إلى الفراشات. أكثر من أي يوم آخر سيتم ترديد كلمتين بدرجة كبيرة: lepidopterist "ذاك الذي يدرس عدداً كبيراً من الحشرات المجنحة، بما في ذلك الفراشات والعث" ، و nymphet التي طوّعها نابوكوف لتعني شيئا واحداً إلى الأبد: "الطفلة الجذابة جنسياً أو الناضجة جنسيا". ما لن يتم مناقشته على الأغلب هو نهج نابوكوف الحصيف والذكي تجاه الشعبية والشهرة. و ربما أكثر من أي كاتب آخر في القرن العشرين ، عرف نابوكوف كيف يسيطر على صورته. كتب جون أبدايك في "أسورتد بروس" أن نابوكوف لم يكن واحدا من أفضل من كتبوا بالإنجليزية فقط، ولكنه أيضا "شخصية قوية" يقدم أداءاً "قل نظيره في الأدب الأميركي." سيكون من المغالاة وضع نابوكوف في نفس فئة عمداء المشاهير مثل مادونا أو ليدي غاغا، لكن بالتأكيد كان بوسعه تعليمهم شيئا أو اثنين عن الشهرة وفن المقابلة. 

حلّت الشهرة على نابوكوف بعد نشره لوليتا في عام 1958. كان عمره ستين سنة في ذلك الوقت ويحاضر في جامعة كورنيل. حضر والدي محاضرات الأدب الأمريكي التي كان يقدمها نابوكوف ويقول أنه لا يتذكر أي شيء منها باستثناء الطريقة التي كان نابوكوف ينزلق بها إلى القاعة مرتدياً عباءة سوداء، بصحبة فيرا زوجته ومساعدته، كمرافقة. كان نابوكوف يقدم محاضرته بالاعتماد على الملاحظات المعدة سبقاً فيخرجها في أداء مؤثر في قاعة الدرس كان سبباً في جذب الطلاب إليه. ووفقا لبراين بويد ، كاتب أدق سيرة لنابوكوف، فإن دروس الأدب الأوروبي التي كان يقدمها نابوكوف تجيء في المركز الثاني من حيث نسبة الالتحاق بها بعد دروس الأغاني الشعبية لبيت سيغر. كمدرس للأدب ، أكدّ نابوكوف على أهمية القراءة من أجل التفاصيل، وكان يقوم بتكليف الطلاب بقراءة عدد أقل من الكتب من أجل قراءتها ببطء. اختبر الطلاب في نمط ورق الجدران في رواية مدام بوفاري ورسم المسار الذي يمشي فيه بلوم في "يوليسيس" على السبورة السوداء. وفقا لنابوكوف، فإن هذا النهج "أغضب أو حيّر طلبة الأدب (وأساتذتهم) إذ كانوا معتادين على دروس 'جادة' مليئة بـ 'التوجهات' و 'المدارس' و 'الخرافات' و 'الرموز' ، و' التعليق الاجتماعي' ، وشيء مخيف بشكل لا يوصف يسمى 'المناخ الفكري'. في الواقع تلك الدروس 'الجادة' كانت سهلة جدا إذ يجب على الطلاب لا أن يعرفوا الكتاب، بل أن يعرفوا عنه." 

تعامل نابوكوف مع الشهرة كما لو كانت رواية يجب أن تقرأ أو تكتب وفقا لتفاصيل محددة. قبل الهجرة أولاً إلى انجلترا ، حيث حضر كلية ترينيتي في كامبريدج، ثم إلى برلين، وأخيرا إلى أمريكا، كان نابوكوف قد كتب بالفعل تسع روايات وكان معروفاً بشكل جيد. ولكن حتى في باريس في الثلاثينات، لم يأخذ النقّاد أو ماكينة الشهرة على محمل الجد. وللتهكم بالناقد جورجي أداموفيتش، نشر نابوكوف بعض كتاباته تحت اسم مستعار "سيرين". أداموفيتش، الذي كان قد عبر عن رفضه لنابوكوف ككاتب، أشاد في استعراض لأحد كتب "سيرين" بهذا القلم ووعد بأنه سيكون واحدا من المواهب الكبيرة في العالم . لذا لم يكن مفاجئا أن يظهر نابوكوف في صورة لمجلة "لايف" في عام 1959 وهو يكتب "لوليتا" على بطاقات الملاحظات في سيارة العائلة، بعد نشر الرواية. أو أن يظهر بكل سرور على غلاف "التايم" في عام 1969 ، ومجلة "نيوزويك" في عام 1962. ولم يكن مفاجئاً قيامه بتصحيح كتاب كارل بروفير "مفاتيح إلى لوليتا" أو مراجعة السيرة التي أعدها اندرو فيلد عنه، قائلا أن حياته تشبه "ببلوغرافيا لا سيرة" و أن أفضل جزء من السيرة الذاتية للكاتب ليس "سجل مغامراته ولكن قصة أسلوبه". ولا تحكمه التام في نشر قصصه القصيرة، إذ جمعها وفقا "للموضوع، الفترة ، الشعور العام ، التماثل ، والتنوع"، ولا أنه ترجم رواياته الأولى الروسية، مثل اليأس ودفاع لوزين ، فضلا عن السيرة الذاتية التي أصبحت تعرف باسم (تكلمي أيتها الذاكرة) ، إلى اللغة الإنكليزية بنفسه، مضيفاً تعديلات جوهرية ومقدمات للنصوص. ولا العكس، قيامه بترجمة أعماله الانجليزية، مثل أدلة قاطعة ولوليتا، إلى اللغة الروسية. ولا أنه أدار وكتب كل مقابلاته بنفسه. 

على الرغم من أن نابوكوف واحدٌ من كثر مارسوا المقابلة الذاتية، وهو التقليد الذي يضم أوسكار وايلد، جيمس باري، ايفلين وو، نورمان ميلر، ترومان كابوت، غور فيدال، غلين غولد، ميلان كونديرا، وفيليب روث، إلا أنه كان الكاتب الوحيد الذي أجرى دائماً مقابلاته بنفسه. وبحسب علمي فإن نابكوف لم يجر مقابلة على الإطلاق دون الحصول على الأسئلة والإجابة عليها مسبقاً. حتى عندما ظهر مع ليونيل تريلينغ في مقابلة "حية" مسجلة في برنامج يسمى "كلوز أب" في 1958 لمناقشة الجدل الدائر حول لوليتا لهيئة الإذاعة الكندية ، فإن نابوكوف قرأ اجاباته على شاشة التلفزيون، من بطاقات الملاحظات. في غرفة أعدت لتبدو وكأنها مكتب الكاتب ولكنها في الحقيقة مجرد استوديو في قاعة راديو سيتي ميوزك ، نابوكوف لم يكلف نفسه حتى عناء التظاهر بأن المقابلة "حقيقية". ومثل محاضراته في جامعة كورنيل، التي كان يستقيها من الملاحظات المعدة مسبقاً، مقابلاته لم تكن فقط أداءً - كل مقابلة هي أداء- كانت نصوصاً. 

مقابلة نابوكوف مع باريس ريفيو ليست استثناء. بعد أن أرسل أسئلته مسبقا، وصل المُحاور هربرت قولد لإجراء المقابلة في مونترو بالاس، وهو فندق في سويسرا، ليجد نابوكوف في انتظاره. في مقدمته، كتب قولد أن نابوكوف سلمه مظروفا يحتوي على المقابلة النهائية. وفقا لبراين بويد كاتب سيرة نابوكوف، فإن نابوكوف قال: "هاك مقابلتك، تستطيع الذهاب الآن." كان نابوكوف قد كتب المقابلة بنفسه. وفيها يغطي المواضيع المعتادة – حياته كجامع حشرات مجنحة، حياته في المنفى، وما إلى ذلك، ولكن معرفة أنها محاورة نابوكوف لنابكوف يعطيها سحراً خاصاً. في خضم المقابلة يقول 'المُحاور': "كما تعلم ، لستَ مضطراً للإجابة على جميع أسئلتي الشبيهة بأسئلة كنبوت". في اشارة إلى كنبوت ، شخصية الراوي في رواية نابوكوف "نار شاحبة"، وهو أكاديمي مهووس بالكاتب جون شيد. ويرد نابوكوف على هذه الملاحظة بقوله: "لن يجدي أن نبدأ بتخطي الأسئلة الصعبة، دعنا نواصل." المقابلة غنية في حد ذاتها. انه يصنف دون كيشوت باعتباره "كتاب قاسي وفجّ" ويتحدث عن الطريقة التي فشل فيها فيلم ستانلي كوبريك المقتبس عن لوليتا ، والذي كتب له نابوكوف السيناريو ، فشل في الصعود إلى مستوى "توجهاته وأحلامه"؛ يناقش أخطاءه السرية ككاتب مثل "غياب المفردات الطبيعية"، ينزل وظيفة المحرر إلى أن يكون منقح نصوص، وينفي فكرة أي.ام.فوستر أن شخصياته تفر أحياناً بعيدا عنه كما كليشيهات استنفذت معناها، ويدلي ببيانه الشهير الذي يعتبر فيه نفسه "أمريكي بقدر ما هو شهر أبريل في أريزونا أمريكي". ولكن عندما يسرد العديد من أسماء الكتاب الراسخين الذين لم يعنوا له شيئاً - بريخت، وجويس وفولكنر، كامو، ولورنس - ويشير الى عزرا باوند بأنه "مزيف تماماً"، فإن علينا أن نتوقف ونتساءل ماذا كان يعني بالضبط. وعندما يقول "لوليتا مشهورة، وليس أنا. فأنا مجهول، مجهول على نحو مضاعف، روائي بإسم غير قابل للنطق." إنه ليس تواضعاً زائفاً، فهو يضفي أهمية على النص ويجعل نفسه شبحا. عندما طُلب منه الرد على ناقد قال بأن شخصياته تتضاءل لتصبح مجرد شيفرة. أجاب نابوكوف "كيف يمكن لي أن أقلص إلى مستوى الشيفرة، وما إلى ذلك، شخصية قمت باختراعها بنفسي؟ يمكن للمرء أن 'يقلص' كائن ولكن ليس طيفاً. " مثل شخصياته، نابوكوف يجعل نفسه شبحاً بسرور. 

ولكن لم تكن كل المجلات على استعداد للاعتراف بأن المقابلة المنشورة مع الشبح نابوكوف لم تقع أبداً بالفعل. في مقدمة لمقابلة بلاي بوي معه ، يصف المحاور "أسبوعاً من المحادثات المتواصلة" التي "أجريت" في مكتب نابوكوف. ولكن مثل هربرت قولد فإن المحاور لم يمض في الواقع أكثر من بضع دقائق في حضور نابوكوف. بعث اسئلته مكتوبة لنابوكوف عن طريق احد العاملين في الفندق ورد عليها نابوكوف كتابياً. كانت تلك كما اعترف المحاور لاحقا، المقابلة غير الشفوية الوحيدة التي أجرتها "بلاي بوي" على الاطلاق. ومع ذلك تشير المقدمة إلى أن "نابوكوف تصدى لأسئلتنا بخليط من سمات المكر والصراحة والسخرية وخفة الظل والبلاغة المراوغة ". وتواصل المقدمة لتصف الطريقة التي يتلكم بها نابوكوف "بروح الدعابة والود المهذب" ، وتخلص إلى أن "رواياته التي بحث فيها الكثير من النقاد عبثا سعياً لكشف سيرته الذاتية، تخفي أكثر مما تكشف هذا الرجل، ويبدو أنه يفضلها بهذا الشكل. ولكننا نعتقد أن حوارنا معه، المنشور في كانون الثاني 1964 ، يقدم لمحة رائعة من هذه العبقرية متعددة المستويات." ما يضفي بعدا أكثر إلى هذا أن نابوكوف قد سُرّ بالمقابلة والمقدمة، لدرجة أنه بدأ نشر القصة القصيرة في المجلة ، فضلا عن مقتطفات من روايته آدا. 

في (تكلمي أيتها الذاكرة) ، يوضح نابوكوف أن اهتمامه بالحشرات المجنحة له علاقة 'بأسرار المحاكاة' :"ظواهرها تكشف كمالاً فنياً يترافق عادة مع الأشياء التي طوّعها الإنسان. اكتشفت في الطبيعة المسرات غير النفعية التي سعيت وراءها في الفن. كلاهما كان نمطاً من السحر. كلاهماً كان لعبة من الفتنة والخداع المركبين". 



No comments:

Post a Comment