Friday, 30 April 2010

الوحي المستمد من خط النهاية




يصل إلى خط النهاية فقط أولئك الذين يؤمنون بوجوده
الذين يتجاهلون الألم الحارق في عضلة الفخذ
والقدم التي فقدوا الشعور بها لكنها لم تزل صالحة للركض
وقرع الطبول الكافي لإنهيار سدّ في صدورهم
والخصم الذي يحتوشهم من كل جهة
والجماهير التي تستعد لخذلان الخاسر منهم
والمسعفين البلا رحمة ينتظرون سقوط أحدهم
والحكم الموشك على شق الهواء براية قاتلة

في رأسهم الذي تحول إلى قدم يركضون بها، تدور فكرة واحدة:
كل هذا سينتهي.


Saturday, 17 April 2010

آسف .. التي لا تجيء




كتبت هذا النص في 2004 وأعيد نشره الآن بمناسبة بركان آيسلاند، وكل بركان وأنتم بخير.

خمسة اعتذارات حتى الآن ، و نفد رصيدها. لم ينسَ بعد آخر مرة اعتذر فيها ، و قبل أن ينسى ، لن يبدأ عدٌّ جديد للعام الجديد. وإن لم تبادر هي باعتذار لائق فستبقى في جحيم الخصام إلى الأبد فيما يرفع سقف كبريائه أكثر ولايضيره احتراقها.
الحياة السعيدة ترقد الآن في جوف كومة قمامة ، لأن هذه البلاد لا تعتمد نظام إعادة تصنيع الورق. لكن متى كانت الحياة السعيدة تُختصر في ورقة روزنامة ، أو في تاريخ ؟ يمكنها أن تشبه كلمة (آسف) يقولها ببساطة ليقلب الحرب إلى حب لكنه يفضّل أن يجعل يوماً عصيباً واحداً يطول حتى يلتهم كل أيامها و لا يعود من فرق بين تاريخ و آخر .. تُفكر برمي الروزنامة بأكملها في القمامة.
هل يتعمد جعل السكين و الشوكة تحتكان بالصحن أم أن حواسها المتوترة محتدة أكثر من اللازم ؟ حدجته من أسفل الحاجب المرفوع شزراً لكنه بدا أكثر انهماكاً من ملاحظتها، وشعرت في هذه اللحظة أن كثيراً من الزمن قد مرّ منذ آخر مرة تبادلا النظرات المباشرة فيها.
لا يتحادثان، لكنها تشعر بالضجيج في رأسها، و تتعب كلما مرت الثانية ، و التي تليها ، دون أن ينبس ببنت شفة. و لا تعرف أنه – مثلها - لا يستطيع أن يفعل؛ غضبه، كبرياءه، انتقامه، وجعه، غيظه، و أشياء أخرى لا اسم لها تطبق على جو الغرفة ، تخنق الحروف على طرف لسانه لكنها تصم آذانهما بها، تضبضب** رؤية كليهما لكنها تشحذ بصيرتهما السالبة، تتغلغل في جسديهما ككهرباء لا ضابط لها، تفجر التوتر في الخلايا، تطلق أجهزة الإنذار طوال الوقت، و تبعث الضجيج في الرأس.
ينهض عن المائدة ليفتح الثلاجة و يتناول منها قرص مسكّن للصداع، ثم يغادران المنزل فتلحقهما سحبهما المشحونة بمشاعر عقيمة لا تنوي المطر.
في ذلك الصباح و في الشارع الذي تقود فيه كل يوم متجهة إلى عملها كان آخرٌ مثلها يسير بوجه مقلوب عن النظر لخصمه، لذا بدا الحادث طبيعياً. وفي الوقت الذي هدراه على الصراخ و تبادل الاتهامات كانت سحابتيهما تمتزاج لتشكلان سحابة واحدة كبيرة ، سرعان ما امتزجت بمئة سحابة أخرى لأشخاص خرجوا للتو من منازل خانقة كالذي خرجت منه، وكلما انطلقت أبعد كانت السحابة تمتزج بسحب أخرى تأتي من تفرعات الشوارع ، و من فرج النوافذ و من شقوق الجدران ، وبعد فترة من الوقت كانت السحابة قد أصبحت تصل بين طرفي البلاد و تموج كإعصار لكنها ظلت أكثر شفافية من أن يروها ، أكثر نعومة من أن يشعروا بها تخترقهم و تمس حتى المحايدين منهم بدفق من شرار، أكثر هدوءً من أن تعكر صفو توترهم اليومي، لذا لم يتزحزح شعورهم بالسيطرة واستمروا في أداء أعمالهم بالروتينية المميزة ذاتها. وبعد فترة أطول من الوقت أصبحت السحابة أكبر من أن تسعها مساحة البلاد لذلك فقد امتدت إلى المحيط ، التقت بسحب أخرى قادمة من الملاحين و سكان الجزر، و حين أصبحت أكبر و أكبر التقت بالسحب القادمة من وراء المحيط، من قارات لا يعلم عنها سكان هذه البلاد شيئاً ، لكن سحبهم كانت جد متشابهة ولم تجد صعوبة في الامتزاج لتصبح سحابة واحدة تحلق فوق العالم.
لكن سُحباً جديدة استمرت في القدوم ، من أعلى. ذاك الذي حلّق تاركاً إياها في الغيظ دون (آسفها) التي تنتظر، رافقته سحابته إلى العلو ، و هناك التقت السحب فيما ظلت القلوب بعيدة.
بعد وقتٍ طويل كانت السحابة قد بدأت تصعد فوق غلاف العالم لتشرف على ظلام الكون لكنه لم يبد مخيفاً أكثر من الصواعق التي تزدحم بها، و لا تجد مساماً تنفذ منها.
وبعد وقتٍ أطول لم يعد أمام السحابة الفيضان إلا أن تعيد تشكيل أنفاسها لتبدو كقدم عملاقة، تبتعد قليلاً عن عالمنا الكروي ، ثم تنقضّ على مؤخرته بركلة ساحقة تقذف به في مسار نيزك بريء مرّ لسوء حظه في هذا الوقت بالذات، من هذه الناحية.


---
* بالضبط. قرينة جودو الذي - كعادته- لايجيء.
** سمحت لنفسي باستعمالها ، و هي كما ترون تشير إلى ما ترونه